رئيس التحرير
عصام كامل

منتخب يستحق.. وصلاح قائد فوق العادة

18 حجم الخط

لم يكن فوز مصر على أستراليا بركلات الترجيح في كأس العالم 2026 مجرد انتصار كروي عابر أو تأهل تاريخي إلى دور الستة عشر، بل كان درسًا وطنيًا بليغًا في معنى النجاح، ففي هذه المباراة تجلت قيمة الإعداد الجيد، والثبات النفسي، والعمل الجماعي، والإيمان بالقدرة على تجاوز المستحيل.

 

قدم المنتخب المصري مباراة كبيرة، تقدم مبكرًا، ثم تلقى هدف التعادل، وتعرض لضغوط متواصلة، لكنه لم يفقد توازنه أو يستسلم للقلق والانفعال، بل ظل متماسكًا حتى النهاية. وعندما جاءت لحظة الحسم في ركلات الترجيح، ظهر الفارق الحقيقي بين فريق يمتلك الأعصاب والثقة، وفريق استنزفته الضغوط.

 

وكان للمدرب الوطني حسام حسن فضل كبير في هذا الإنجاز. فقد نجح في إعادة بناء شخصية المنتخب، ومنح اللاعبين هوية فنية واضحة تقوم على الانضباط والقتال والإيمان بالقدرة على الإنجاز. والأهم أنه أعاد إلى الفريق روحًا وطنية عالية وشعورًا بأنهم لا يدافعون عن ألوان منتخب فحسب، بل يحملون آمال شعب بأكمله. 

 

وربما كانت هذه الروح هي ما افتقدته الكرة المصرية خلال سنوات طويلة مع عدد من المدربين الأجانب الذين امتلك بعضهم الخبرة الفنية، لكنهم لم ينجحوا دائمًا في بناء ذلك الارتباط الوجداني العميق بين المنتخب وجماهيره.

 

وفي خضم هذا الإنجاز برز أيضًا الدور القيادي لمحمد صلاح. فالقائد لا يُقاس بعدد الأهداف التي يسجلها، وإنما بقدرته على بث الثقة في نفوس زملائه واحتواء لحظات القلق وتحويل الضغوط إلى طاقة إيجابية. لقد بدا صلاح هادئًا وواثقًا، داعمًا لزملائه ومؤمنًا بقدرتهم على تحقيق الإنجاز، فقدم نموذجًا للقائد الذي يقود بالقدوة قبل الكلمات ويضع مصلحة الفريق فوق أي اعتبار شخصي.

 

لقد كان الانتصار ثمرة منظومة متكاملة، لا موهبة فردية عابرة. انضباط تكتيكي، وروح جماعية، وإعداد نفسي، وأخذ بالأسباب. وهي القاعدة التي تتكرر في كل مجالات الحياة: فلا نجاح بلا تخطيط، ولا إنجاز بلا إعداد، ولا تقدم بلا عمل منظم.

 

إن الثبات النفسي الذي ظهر به لاعبو مصر ليس مجرد فضيلة رياضية، بل أحد أهم أسرار التقدم الإنساني. فالأفراد والمؤسسات والدول لا تسقط دائمًا بسبب نقص الإمكانات، وإنما حين تفقد الثقة بنفسها وتستسلم للخوف والتردد. أما من يملك هدوء الأعصاب وصلابة الإرادة، فإنه يستطيع أن يحول المحنة إلى فرصة، والتحدي إلى إنجاز.

 

وهنا يبرز السؤال الأهم: إذا كانت كرة القدم المصرية قادرة على تقديم نموذج ناجح يقوم على التخطيط والانضباط والعمل الجماعي والثقة بالنفس، فلماذا لا تنتقل هذه الفلسفة إلى الاقتصاد والتعليم والبحث العلمي؟

فالاقتصاد لا ينهض بالشعارات، بل بالرؤية الواضحة والانضباط في التنفيذ. والتعليم لا يحقق أهدافه بتخريج حملة الشهادات فقط، بل بإعداد إنسان قادر على التفكير والإبداع وتحمل المسؤولية. أما البحث العلمي فلا يتقدم إلا حين يصبح مشروعًا وطنيًا يقوم على الصبر وتراكم الجهود والاستثمار في العقول.

 

أما المواجهة المحتملة أمام الأرجنتين، إذا تأهلت كما هو متوقع، فإنها تتطلب الحفاظ على الحالة النفسية والذهنية نفسها. فالأرجنتين منتخب كبير يملك خبرات وإمكانات استثنائية، لكن تاريخ كرة القدم مليء بالمفاجآت التي صنعها من دخلوا المباريات الكبيرة مؤمنين بقدراتهم لا خائفين من منافسيهم. المطلوب من المنتخب المصري أن يلعب باحترام للمنافس لا برهبة منه، وبثقة لا بغرور، وبانضباط وتركيز واستثمار لكل فرصة ممكنة.

 

وفي النهاية، فإن أحد أعظم مكاسب هذا الإنجاز أنه نجح في إسعاد المصريين وتوحيدهم حول فرحة حقيقية نادرة. فقد خرج الناس، ولو لساعات، من ضغوطهم وهمومهم اليومية ليشعروا بالفخر والأمل والانتماء. وهي فرحة يفتقدها كثير من المصريين في ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة تثقل كاهل الأسر.

وإذا كانت كرة القدم قد استطاعت أن تمنح المصريين هذه اللحظة الجامعة من السعادة والأمل، فإن على الحكومة أن تقرأ الرسالة جيدًا، وأن تبني على هذا النجاح بقرارات وسياسات تنحاز للمواطن البسيط، وتخفف من معاناته، وتعيد إليه الإحساس بأن صبره وتضحياته محل تقدير. 

فالأمم لا تعيش على الانتصارات الرياضية وحدها، لكنها تحتاج في كل المجالات إلى الروح نفسها التي صنعت هذا الإنجاز: الإيمان، والعمل، والأخذ بالأسباب، والانتصار للإنسان.. ويبقى أن كرة القدم اكسير السعادة وهى دائما ما تنجح فيما تفشل فيه السياسة والاقتصاد.

الجريدة الرسمية