رئيس التحرير
عصام كامل

أزمة العدادات الكودية بين حق الدولة والاعتبارات الاجتماعية

18 حجم الخط

تعد أزمة العدادات الكودية أحد الملفات المهمة لملايين المواطنين الذين وجدوا أنفسهم داخل دوامة، رغم أنهم لم يكونوا في كثير من الأحيان طرفًا رئيسيًا في صناعتها.

عندما جرى التوسع في تركيب العدادات الكودية، كان الهدف الأساسي ضبط استهلاك الكهرباء، ومواجهة ظواهر التوصيلات غير القانونية، وإيجاد إطار مؤقت يضمن استمرار الخدمة لحين تسوية الأوضاع القانونية للعقارات. وقد مثل ذلك في حينه حلًا عمليًا لتوازن دقيق بين حق الدولة في التنظيم، وحق المواطنين في الحصول على الخدمات الأساسية.

 

غير أن التحولات الأخيرة، وما صاحبها من تعديلات في نظم التسعير، أعادت فتح النقاش حول أوضاع أصحاب هذه العدادات، خاصة مع انتقالهم إلى نظام محاسبة مختلف عن الشرائح التقليدية التي يستفيد منها ملايين المشتركين.

 

هنا لا تبدو القضية مجرد أرقام على فاتورة شهرية، وإنما ترتبط بسؤال أوسع يتعلق بكيفية تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح والحفاظ على الأبعاد الاجتماعية للقرارات العامة.

 

فالدولة، دون شك، تملك حقها الكامل في حماية مواردها، وترشيد الدعم، ومواجهة المخالفات العمرانية التي تراكمت عبر عقود طويلة. لكن النجاح الحقيقي لأي سياسة عامة لا يقاس فقط بحجم الإيرادات التي تحققها، وإنما بقدرتها على الحفاظ على التماسك الاجتماعي، وتجنب تحميل الفئات المتوسطة ومحدودة الدخل أعباء إضافية تفوق قدرتها على الاحتمال.

 

المعضلة الأساسية أن قطاعًا واسعًا من المقيمين في العقارات المخالفة لم يكن مسؤولًا بصورة مباشرة عن المخالفات الأصلية، بل وجد نفسه أمام واقع قائم سبق انتقاله للسكن أو التملك. ومن ثم فإن معالجة الملف تحتاج إلى رؤية تفرق بين المخالفة ذاتها، وبين حق المواطنين في الحصول على الخدمات الأساسية بصورة مستقرة وعادلة.

 

من هنا تكتسب المناقشات الجارية بشأن إعادة النظر في أوضاع العدادات الكودية أهمية خاصة. فالبحث عن صيغ أكثر مرونة، أو تسهيل إجراءات التحول إلى العدادات القانونية الدائمة، لا ينبغي النظر إليه باعتباره تراجعًا عن أهداف التنظيم، وإنما باعتباره محاولة للوصول إلى معادلة أكثر توازنًا تجمع بين الانضباط الإداري وحق الدولة من جهة والاعتبارات الاجتماعية من جهة أخرى.

 

وقد تمثل التسهيلات المطروحة حاليًا خطوة مهمة في هذا الاتجاه، سواء عبر تبسيط المستندات المطلوبة، أو تسهيل إجراءات التصالح، أو إزالة بعض العقبات البيروقراطية التي عطلت تسوية الأوضاع لسنوات طويلة.

 

في النهاية، لا تكمن قوة الدولة في صرامة الإجراءات وحدها، بل في قدرتها على بناء جسور الثقة مع مواطنيها. وكلما نجحت السياسات العامة في الجمع بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، ازدادت قدرتها على الاستمرار وتحقيق أهدافها.

فأزمة العدادات الكودية ليست مجرد ملف فني أو إداري، وإنما اختبار جديد لقدرة السياسات العامة على تحقيق التوازن بين مقتضيات التنظيم واحتياجات المجتمع، وهي معادلة تظل دائمًا جوهر أي إدارة رشيدة للشأن العام.

الجريدة الرسمية