ما حكم تغسيل وتكفين ودفن من اشتهر بأعمال السحر السفلي؟ الإفتاء تجيب
ورد سؤال إلى دار الإفتاء المصرية يسأل صاحبه عن حكم تغسيل وتكفين ودفن من اشتهرت بعمل السحر؟ فقد تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرًا ما قام به بعض الأشخاص من منع دفن سيدة توفيت في مقابر المسلمين؛ بناءً على قولٍ صدر من أحدهم اعتبر فيه المتوفاة خارجةً عن الإسلام؛ لشهرتها بممارسة السحر وإلحاق الضرر بالناس، وزعموا أنَّها لا تُغسَّل ولا تكفن ولا يُصلى عليها. فما حكم ذلك؟ وهل تُعدُّ خارجةً عن الملة بمجرد هذه التهمة التي اشتهرت عنها؟
بيان حرمة السحر
وجاء رد دار الإفتاء كالتالي: السحر معصية وكبيرة من الكبائر بإجماع العلماء، وهو من المُوبِقَاتِ، فِعله حرام، وكذا تعليمه وتعلمه، وقد يكفر معلمه ومتعلمه وفاعله إذا انضم إليه ما يقتضي الكفر؛ لأنَّ السحر على أنواع، فمنه ما يكون كفرًا، ومنه ما لا يكون كفرًا، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102].
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (10/ 224، ط. دار المعرفة): [استدل بهذه الآية على أنَّ السحر كفر، ومتعلمه كافر، وهو واضح في بعض أنواعه] اهـ.
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ: الشِّرْكَ بِاَللَّهِ، وَالسِّحْرَ، وَقَتْلَ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلَ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّيَ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ».
قال الإمام النووي في "شرحه على صحيح مسلم" (14/ 176، دار إحياء التراث العربي): [عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد سبق في كتاب الإيمان أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عده من السبع الموبقات، وسبق هناك شرحه، ومختصر ذلك: أنَّه قد يكون كفرًا، وقد لا يكون كفرًا، بل معصيته كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر، كفر، وإلا فلا، وأمَّا تعلمه وتعليمه، فحرام، فإن تضمن ما يقتضي الكفر، كفر، وإلا فلا] اهـ.
فالسحر يُخرج عن الإسلام إذا تضمن ما يقتضي الكفر، كجَحد أمرٍ افترض الله تعالى الإيمان به وحَكَمَ بخروج من جحده عن الإسلام، أو اشتماله على قول أو عمل جاء النص بأنَّه مُخرِجٌ عن الإسلام.
قال الإمام تقي الدين السبكي الشافعي في "فتاويه" (2/ 586، ط. دار المعارف): [التكفير حكمٌ شرعي، سببه: جحد الربوبية أو الوحدانية أو الرسالة، أو قولٌ أو فعلٌ حَكَمَ الشارعُ بأنه كُفْرٌ، وإن لم يكن جَحدًا] اهـ.
الحكم على الآخرين بالكفر
وقالت دار الإفتاء: إن الأصل أنَّ القضاء وحده هو المختص بإصدار الأحكام المتعلقة بالديانة؛ نظرًا لعظم خَطر ما يستتبعها من الأحكام الدينيَّة والدنيويَّة، والأصل فيها الاحتياط، فتتطلب بيّنةً شرعيَّةً وإثباتًا عند القاضي، وتتطلب إجراءات أخرى دقيقة، منها: التحقق من وجود شروطه، والتيقن من انتفاء موانعه، لأنَّ الشيء قد يكون كفرًا في ذاته، لكن لا يمكن تكفير من تلبَّس به لفقد شرط التكليف، أو لوجود مانع معتبر كالجهل أو التأويل أو الشبهة، ولابدَّ كذلك من استتابته قبل الحكم به، ولا يملك سلطة مباشرة التحقيق في ذلك والتثبت منه إلا القاضي.
وتابعت دار الإفتاء أنه لا يجوز لآحاد الناس الحكم بخروج شخص عن الإسلام بناءً على التهمة أو الشهرة أو الشائعات أو ظن السوء به؛ لما في ذلك من التعدي على وظيفة القاضي، والافتئات على أمر الحاكم، والخروج عن النظام العام، ولأنَّ هذه الأمور إمَّا من باب الظن أو الشك أو الوهم، والعمل بالظن في هذا الباب لا يُعول عليه ولا يُنظر إليه، بل لا بد من إقرار صريح، أو قيام بينة عادلة تصف اللفظ أو الفعل المكفر وصفًا دقيقًا يرفع عنه اللبس.
ولذلك نهى الشرع الشريف عن الخوض في أحكام الإيمان والاعتقاد، وحَذَّرَ أشد تحذير من سلب وصف الإيمان عن مسلم أو إخراجه من دائرة الإسلام، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: 94].
حكم تكفير الساحر لمجرد تعلمه السحر أو تعليمه أو ممارسته
وتقول دار الإفتاء لقد ذهب الفقهاء إلى عدم تكفير الساحر لمجرد تعلمه السحر أو تعليمه أو ممارسته إلا إذا انضمَّ إلى ذلك ما يقتضي الكفر، كاعتقاد إباحته، أو عبادة غير الله، أو إن تكلم بكفر.
قال العلَّامة ابن نجيم الحنفي في "البحر الرائق شرح كنز الدقائق" (5/ 136، ط. دار الكتاب الإسلامي): [وإن كان الساحر يستعمل السحر بالتجربة والامتحان، ولا يعتقد لذلك أثرًا لا يقتل؛ لأنَّه ليس بكافر] اهـ.
وقال العلَّامة البدر العيني الحنفي في "البناية شرح الهداية" (7/ 297، ط. دار الكتب العلميَّة): [قال أصحابنا: إن اعتقد أن الشياطين يفعلون له ما يشاء كفر، وإن اعتقد أنه لا يحل لم يكفر] اهـ.
لا كفر بغير مكتسب
وقال الإمام القرافي المالكي في "أنوار البروق في أنواء الفروق" (4/ 154، ط. عالم الكتب): [هذه المسألة في غاية الإشكال على أصولنا فإنَّ السحرة يعتمدون أشياء تأبى قواعد الشريعة تكفيرهم بها كفعل الحجارة المتقدم ذكرها قبل هذه المسألة، وكذلك يجمعون عقاقير ويجعلونها في الأنهار والآبار أو زير الماء أو في قبور الموتى أو في باب يفتح إلى المشرق أو غير ذلك من البقاع ويعتقدون أن الآثار تحدث عند تلك الأمور بخواص نفوسهم التي طبعها الله تعالى على الربط بينها وبين تلك الآثار عند صدق العزم، فلا يمكننا تكفيرهم بجمع العقاقير، ولا بوضعها في الآبار، ولا باعتقادهم حصول تلك الآثار عند ذلك الفعل؛ لأنَّهم جربوا ذلك فوجدوه لا ينخرم عليهم لأجل خواص نفوسهم، فصار ذلك الاعتقاد كاعتقاد الأطباء حصول الآثار عند شرب العقاقير لخواص طبائع تلك العقاقير، وخواص النفوس لا يمكن التكفير بها؛ لأنَّها ليست من كسبهم، ولا كفر بغير مكتسب] اهـ.
وقال العلَّامة ابن حجر الهيتمي الشافعي في "الإعلام بقواطع الإسلام" (ص: 225- 226): [والمستقيم في هذه المسألة ما حكاه الطرطوشي عن قدماء أصحابنا: أنَّه لا نكفره حتى يثبت أنَّه من السحر الذي كفر الله تعالى به، أو يكون سحرًا مشتملًا على الكفر، كما قاله الإمام الشافعي] اهـ.
ونقل أيضًا عن العلَّامة السبكي الشافعي في "الإعلام بقواطع الإسلام" (ص: 257): [عند الشافعي إنَّما يكفر إن تكلم بكفر، أو اعتقد أن كوكبًا يفعل بنفسه، أو أنَّه يقدر على قلب العين] اهـ.
حكم تغسل الساحر وتكفينُه، والصلاةُ عليه ودفنُه بمدافن المسلمين
غسل الميت وتكفينُه، والصلاةُ عليه ودفنُه، من الحقوق التي تجب على الأحياء، وهذه الحقوقُ من فروضِ الكفاية التي إذا قام بها البعضُ سقطَ الإثمُ والطلبُ عن الباقين، وإذا تَرَكها الكلُّ أثِموا جميعًا.
قال الإمام السرخسي الحنفي في "المبسوط" (2/ 58، ط. دار المعرفة): [اعلم بأنَّ غسل الميت واجب، وهو من حق المسلم على المسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «للمسلم على المسلم ستة حقوق» وفي جملته أن يغسله بعد موته، ولكن إذا قام به بعض المسلمين سقط عن الباقين لحصول المقصود] اهـ.
وقال العلَّامة أبو النجا الحجاوي الحنبلي في "الإقناع" (1/ 213، ط. دار المعرفة): [غسل الميت المسلم وتكفينه والصلاة عليه ودفنه متوجهًا إلى القبلة وحمله فرض كفاية] اهـ.
وأصل ذلك ما رواه البخاري ومسلم، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: بينما رجل واقف بعرفة، إذ وقع عن راحلته، فوقصته -أو قال: فأوقصته- قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلاَ تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا»، ومعنى الوقص: كسر العنق.
وعلى ذلك فيعامل معاملة المسلمين كل من لم يحكم القضاء بخروجه عن الإسلام، ولا يجوز منعه من الحقوق التي قررها الشرع له عند موته، فلا يمنع من التغسيل، أو التكفين، أو الصلاة عليه، أو الدفن في مقابر المسلمين؛ وذلك تغليبًا لحكم الظاهر.








