أيهم فؤاد السرجاني؟
وأنت تشاهد حلقات مسلسل للعدالة وجه آخر، الذي بدأ عرضه مؤخرا على إحدى المنصات، تأليف عمرو الدالي، وإخراج محمد يحيى مورو، والبطولة لياسر جلال وأروى جودة ومحمد علاء، تستطيع أن تتأمل شخصية بطل العمل الإعلامي المشهور فؤاد السرجاني ثم تستعرض في خيالك أسماء أهم الإعلاميين المصريين حاليا، وأنت تتساءل: أيهم هو فؤاد السرجاني؟
تدور أحداث مسلسل للعدالة وجه آخر، حول الإعلامي المعروف فؤاد السرجاني، الذي يتميز بالجرأة والشجاعة في مناقشة القضايا الجماهيرية المهمة، إلى أن يتورط نجله الطالب الجامعي في جريمة قتل زميلته في الجامعة فيجد فؤاد نفسه في اختبار أخلاقي، وصراع داخلي بين خوف الأب على ابنه ورغبته في حمايته من جانب، والانتصار لمبادئه وشرف مهنته من جانب آخر.
تيمة تم استهلاكها في عشرات الأعمال السينمائية والتلفزيونية من قبل، لكنها مع ذلك تكتسب مذاقا آخر في هذا المسلسل، ربما لأن المسلسل يأتي بشخصية قريبة من أناس حقيقيين نراهم يوميا في وسائل الإعلام ومنصات السوشيال ميديا، وهم يملأون الدنيا صياحا حول المباديء التي لا يجب أن تتجزأ، ورسالة الإعلام المهنية التي يجب أن تعلو وتنتصر على أي اعتبارات أخرى!
وما ينطبق على الإعلام والعاملين فيه ينطبق أيضا على العديد من المهن المرموقة، التي يزعم أصحابها أنهم يسخرون حياتهم للدفاع عن مبادئهم، فهذا رجل أعمال يستثمر أمواله لا ليجني أرباحا، بل ليدعم اقتصاد الوطن ويحقق الرفاهية لسكانه، وهذا قاض نذر عمره للدفاع عن العدالة، وهكذا، وعندما يقع أحدهم في المأزق الذي وقع فيه فؤاد السرجاني بطل المسلسل، تظهر الحقيقة بوجهها القبيح..
فالأموال والثروة يتم تسخيرها لتبرئة الابن المجرم، والعلاقات والنفوذ يتم استثمارها لحماية المتورط وإنقاذه، وليس لمحاسبته والاقتصاص منه، والقدرة على التأثير في الناس يتم استغلالها لتوجيه الرأي العام نحو إدانة شخص لا علاقة له بالجريمة، بهدف تبرئة حبيبنا المتورط!
لا تنطبق قصة المسلسل بتفاصيلها الدقيقة على شخص بعينه في الواقع، لكنها تقدم سياقا خياليا موازيا لما يحدث في الواقع، وما شاهدناه بعيوننا، من انقلابات في المواقف، وبيع للرأي، وعرض للمباديء في مزايدة علنية أو سرية لمن يدفع أكثر!
لقد ابتعدت الدراما كثيرا عن الواقع في السنوات الأخيرة، وفقدت حكاياتها خصوصيتها، فصارت حكايات صالحة لكل بلد، فهي تفتقد النكهة المصرية، ويمكنك ببساطة أن تتخيل نفس الحكاية وأحداثها في مجتمع آخر لا علاقة له بمصر أو المصريين.
من هنا تأتي أهمية هذا العمل الدرامي، الذي يروي قصة ليست مستوردة، ببطل نعرف العشرات ممن يشبهونه في الواقع!
ولو كنت بطبعك من المتشائمين فاقدي الثقة في الإعلام ورموزه فسوف تجيب على سؤال: أيهم فؤاد السرجاني؟ بإجابة تتناسب مع درجة تشاؤمك فتقول لنفسك: كلهم فؤاد السرجاني! أما لو كنت كارها مثلي للتعميم والأحكام المطلقة فسوف تدين بعض الشخصيات، وتبريء البعض الآخر، على الأقل براءة مؤقتة إلى أن تثبت إدانتهم!
لأسباب، لعل أهمها أن الدراما في السنوات الأخيرة أصبحت كما لو كانت مجرد حكايات بهدف التسلية فقط، واختفت منها القضايا الكبرى التي كانت تسيطر مثلا على الأعمال الدرامية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وفي مقدمتها أعمال الراحل الكبير أسامة أنور عكاشة رحمه الله، حيث كانت الأعمال التلفزيونية في تلك الفترة مهمومة بفكرة الهوية المصرية والعربية، وحريصة على أن تقدم رؤية عميقة لقضايا اجتماعية أو سياسية كانت تشغل الناس وقتها.
