بين "الفرقان والبرهان"، دلالات أسماء القرآن الكريم وأسرار معانيها
يتسائل البعض عن سببِ تسمية القرآن الكريم بالفرقان والبرهان، ولماذا سمي القرآن الكريم كتاب الله المعجز بهذان الإسمان؟ وفي أي سورة من سور القرآن ورد اسما الفرقان والبرهان؟، وما عدد الآيات التي ذكرا فيها؟ هذا ما سنتعرف عليه خلال هذا الموضوع الذي يتحدث عن سببِ تسمية القرآن بالفرقان والبرهان.

عدد الآيات التي ذكر فيها اسم الفرقان
سمّى الله تعالى القرآن فرقانًا في أربع آيات في كتابه المبارك، وهي:
قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾[الفرقان: 1].
وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: 4].
وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقرآن هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة 185].
وقال تعالى: ﴿وَقرآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ﴾ [الإسراء: 106].
سببِ تسمية القرآن بالفرقان والبرهان
وذكر المفسّرون في سبب تسمية القرآن بالفرقان أقوالًا، منها:
• سُمي بذلك، لأنّ نزوله كان متفرّقًا، أنزله تعالى في نيف وعشرين سنة، في حين أنَّ سائرَ الكتبِ نزلت جملةً واحدةً.
• سُمي بذلك، لأنه يفرّق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والمجمل والمبين، والخير والشر، والهدى والضلال، والغي والرشاد، والسعادة والشقاوة، والمؤمنين والكافرين، والصادقين والكاذبين، والعادلين والظالمين، وبه سُمي عمر بن الخطاب رضي الله عنه الفاروق.
وقد بيّن ابنُ عاشور رحمه الله سببَ تسمية القرآن بالفرقان بقوله: ووجه تسميته الفرقان أنّه امتازَ عن بقية الكتب السماوية بكثرةِ ما فيه من بيان التفرقة بين الحق والباطل، فإنّ القرآن يَعْضُدُ هديه بالدلائل والأمثال ونحوها، وحسبُك ما اشتمل عليه من بيان التوحيد وصفات الله مما لا تجدُ مثله في التوراة والإنجيل، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11].
• وقيل: الفرقانُ: هو النجاةُ، سُمي بذلك لأنَّ الخلقَ في ظلمات الضلالات، وبالقرآن وجدوا النجاة، وعليه حمل المفسرون قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 53].
وسواء كانت تسميةُ القرآن العظيم بالفرقان؛ لأنّ نزوله كان متفرّقًا في نيف وعشرين سنة، بينما سائر كتب الله تعالى نزلت جملةً واحدةً، أو سُمي بذلك لأنّه يفرّق بين الحق والباطل، أو لأنّ فيه نجاة من ظلمات الضلالات، فهذا الاختلافُ في التنوع يدلُّ دلالةً صريحةً على عظمة القرآن، ورِفْعةِ منزلته عند الله تعالى، وعلوِّ شأنه.
وأرجع البعض تسمية القرآن الكريم بـ”الفرقان” لأنه فرق بين المتضادين حيث ميز بين الحق والباطل في الاعتقاد وفرق بين الحلال والحرام في الأحكام، ويقول بن منظور – رحمه الله تعالي – إن كل ما فرق به بين الحق والباطل فهو فرقان، كما يقول ابن الأثير – رحمه الله – الفرقان من أسماء القرآن لأنه فارق بين الحق والباطل والحلال والحرام.
ويضيف الشيخ حمزة الزبيدي: فرقت بين الشيئين يفرق فرقا وفرقانا، وقد أخذت الآيات الكريمة بهذه التسمية كقول الله تعالي “وبينات من الهدى والفرقان”، وقوله جل وتعالي “تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا”.
ويقول الإمام الطبري في تفسيره في وجه تسمية القرآن فرقانا، أن القرآن سمى فرقانا لفصله بحجته وأدلته وحدوده وفرائضه وسائر معاني حكمه بين المحق والمبطل، وفرقانه بينهما بنصرة المحق وتخذيله المبطل حكما وقضاء.
ويشدد الزبيدي على أن ملازمة القرآن الكريم والعيش في ظلاله الوارفة والعكوف على تدبر معانيه يورث القلب اطمئنانا، وفرقانا وتمييزا بين الحق والباطل والحسن والقبيح والفاضل والمفضول والظلمات والنور.
لذلك من أراد البصيرة والقدرة على وزن الأمور والأحوال فليقبل بقلب مفتوح على هذا الفرقان حتى يبين له الحق من الباطل والحلال من الحرام والصواب من الخطأ.

معنى «البرهان» في اللغة:
جاءت لفظة: «البرهان» في اللُّغة بمعانٍ عِدَّة نأخذ منها ما له صلة بموضوعنا وهي: «البُرْهان: الحُجَّةُ الفاصلة البيِّنة، يقال: بَرْهَنَ يُبَرْهِنُ بَرْهَنَةً، إِذا جاء بِحُجَّةٍ قاطعةٍ لِلَدَدَ الخَصم، فهو مُبَرْهِنٌ» [1].
والبرهان: مصْدَرُ بَرَهَ يَبْرَهُ إذا ابْيَضَّ، وَرَجُلٌ أَبْرَهُ، وامْرأَةٌ بَرْهَاءُ، وَقَوْمٌ بُرْهٌ، وبَرَهْرَهَةٌ: شابَّةٌ بَيْضَاءُ[2]. ومن هنا جاء التشبيه ببياض الحجة وإشراقها كبياض الحق وإشراقه.
«وقد بَرْهَنَ عليه: أَقَامَ الحُجَّة» [3]. و«البُرْهَانُ أَوْكَدُ الأدِلَّةِ، وهو الذي يَقْتَضِي الصِّدْقَ أبدًا، لا مَحَالَةَ» [4]
عدد الآيات التي ذكر فيها اسم البرهان
سمّى الله القرآن برهانًا في اية واحدة في كتابه العزيز، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: 174]. فهذا خطابٌ لكلّ أصحاب المللِ، اليهود والنصارى والمشركين وغيرهم، أنَّ الله تعالى أقامَ بهذا القرآن الحجة عليهم، تُبرهن لهم بطلانَ ما هم عليه من الدين المنسوخ، وهذه الحجةُ تشمل الأدلة العقلية والنقلية والآيات الافاقية، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53].
بل كفى بالقرآن العظيم وحده برهانًا على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوى الرسالة.
فالقرآن برهانٌ من الله لعباده، أقام به الحجةَ عليهم، وأظهر من خلاله أوضحَ الدلالات، وأقواها على موضوعاته ومعانيه وحقائقه في العقيدة والحياة، وكلُّ
من تعامل مع أدلة القرآن في يُسرها ووضوحها، وتأثر قلبه وعقله بها، وقارنها بالأدلة والبراهين والأقيسة التي أوجدتها العقول البشرية، وقررتها وبينتها، كل من فعل ذلك يُدركُ طرفًا من البرهان القرآني، ويسره، ووضوحه.
وتتجلّى عظمة القرآن الكريم ومنزلتُه العالية من خلال تسميته بالبرهان، ذلك لأن الله تعالى أقامَ به الحُجة على عباده، تُبرهن لهم بطلان ما هم فيه من الدين المنسوخ، وهي حُجة متنوعة في الاستدلال لتستوعبها عقولُ البشرِ على اختلاف فهومهم وثقافاتهم، وهذا من رحمة الله تعالى وحكمته.








