رئيس التحرير
عصام كامل

أدوية الأورام، معركة مستمرة بين احتياجات المرضى وارتفاع التكلفة.. نقص العلاج الموجّه يثير المخاوف.. مطالب بمراجعة بروتوكولات الصرف.. وبحث آليات تضمن استدامة توفير الدواء

وزير الصحة والسكان
وزير الصحة والسكان الدكتور خالد عبد الغفار
18 حجم الخط

أدوية علاج الأورام والعلاج الموجّه تمثل طوق نجاة لآلاف المرضى، خاصة مع التطورات العلمية التي أسهمت في تحسين نسب الاستجابة للعلاج وزيادة فرص السيطرة على العديد من أنواع السرطان، إلا أن ارتفاع تكلفة هذه الأدوية، إلى جانب شكاوى المرضى من نقص بعض الأصناف في عدد من مراكز الأورام، يضع المرضى أمام تحديات معقدة تتطلب حلولًا تضمن استمرارية العلاج وتوافره، باعتباره أحد الأعمدة الأساسية في بروتوكولات مواجهة السرطان.

وخلال الأيام الماضية، اشتكى عدد من  مرضى الأورام من نقص في بعض أصناف العلاج الموجّه داخل مراكز الأورام، من بينها مستشفى هرمل سابقًا، فضلًا عن تحديات أخرى تتعلق بكون قرارات العلاج على نفقة الدولة لا تغطي أحيانًا كامل عدد الجرعات المطلوبة لكل مريض، ما يدفع البعض إلى اللجوء للحصول على الجرعات عبر التبرعات، من خلال مؤسسات مثل بيت الزكاة.

وأكدت إحدى المريضات المترددات على مستشفى هرمل سابقًا، من متلقي العلاج الموجّه، والتي رفضت ذكر اسمها، أنها بعد انتهاء الجرعات المقررة على نفقة الدولة تتوجه إلى بيت الزكاة، حاملة مجموعة من المستندات والتقارير الطبية المعتمدة، من بينها تقرير طبي يوضح الحالة الصحية واحتياجها للعلاج الموجّه كل 21 يومًا، إضافة إلى أحدث نتائج المسح الذري والأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي.

وأضافت أنها تحصل على ثلاث جرعات في كل مرة، ثم تعيد التقدم مرة أخرى للحصول على ثلاث جرعات إضافية، مشيرة إلى أن بروتوكولات العلاج الموجّه المعتمدة من المجالس الطبية المتخصصة لا تصرف دائمًا كامل الجرعات المطلوبة للمريض، وإنما تحدد عددًا معينًا منها.

وأوضحت مثالًا بعقار “هيرسبتن” المستخدم في بعض حالات الأورام، لافتة إلى أن تكلفته مرتفعة، إذ يبلغ سعر العبوة بتركيز 600 مللي نحو 45 ألف جنيه، بينما يصل سعر العبوة بتركيز 440 مللي إلى نحو 16 ألف جنيه.

وأضافت أن بيت الزكاة وبعض الجهات العلاجية تشترط تسليم العبوة الفارغة من الجرعة السابقة قبل الحصول على العبوة الجديدة، بهدف التأكد من حصول المريض على العلاج واستخدامه فعليًا، ومنع أي إساءة استخدام للأدوية مرتفعة التكلفة.

تطوير أدوية قادرة على مهاجمة الورم بصورة مباشرة وأكثر دقة

ومن جانبه، أكد الدكتور طارق شومان، أستاذ علاج الأورام بالمعهد القومي للأورام، أن العلاج الموجّه يعد من أحدث أنواع العقاقير المستخدمة في علاج الأورام، إذ يعتمد على استهداف طفرات جينية أو مستقبلات محددة موجودة على الخلايا السرطانية، موضحًا أن التطور العلمي خلال السنوات الأخيرة أسهم في تطوير أدوية قادرة على مهاجمة الورم بصورة مباشرة وأكثر دقة.

وأوضح شومان، في تصريحات لـ «فيتو»، أن الخلايا السرطانية تحتوي على مستقبلات أو طفرات جينية محددة يمكن التعرف عليها من خلال الفحوصات والتحاليل المتخصصة، ومن ثم يتم استخدام أدوية ترتبط بهذه المستقبلات داخل الخلية السرطانية، بما يساهم في تعطيل نموها والقضاء عليها.

وأشار إلى أن العلاج الموجّه يُستخدم في العديد من الحالات كعلاج تكميلي إلى جانب العلاج الكيماوي، مؤكدًا أن إدراجه ضمن  البروتوكولات العلاجية يساهم في تحسين النتائج العلاجية، وزيادة فرص السيطرة على الأورام والحد من انتشار الخلايا السرطانية.

وأضاف أن الارتفاع الكبير في أسعار هذه الأدوية يعود إلى حجم الأبحاث العلمية المعقدة التي استغرقت سنوات طويلة للوصول إلى الطفرات الجينية المسؤولة عن نمو الأورام، لافتًا إلى أن العلماء أجروا دراسات موسعة لرسم الخريطة الجينية لأنواع السرطان المختلفة وتحديد الطفرات المحفزة لنموها، قبل تطوير عقاقير قادرة على استهداف تلك الطفرات بدقة والقضاء عليها.

وأكد أن هذه المراحل البحثية والتجارب السريرية المتعددة تمثل أحد الأسباب الرئيسية وراء التكلفة المرتفعة للعلاج الموجّه مقارنة بالعلاجات التقليدية، رغم ما يحققه من نتائج إيجابية في عدد كبير من حالات الأورام.

وشدد شومان على أن التقدم العلمي خلال السنوات الأخيرة أتاح فهمًا أعمق للخريطة الجينية للأورام، وهو ما جعل العلاج الموجّه جزءًا أساسيًا من بروتوكولات علاج السرطان المعتمدة داخل مراكز الأورام الحكومية.

وأشار إلى أن العلاج الموجّه يتوافر في صور دوائية متعددة، سواء في هيئة حقن أو أقراص، موضحًا أن المريض غالبًا ما يحتاج إلى الحصول عليه لفترات طويلة ومستمرة وفقًا لطبيعة المرض ومدى استجابة الحالة للعلاج.

وشبّه العلاج الموجّه بأنه يمثل «ضغطًا مستمرًا» على الورم، موضحًا أن رفع هذا الضغط أو إيقاف العلاج قد يسمح للخلايا السرطانية باستعادة نشاطها من جديد، كما قد يعيد تنشيط الطفرات الجينية المسؤولة عن نمو الورم وتطوره.

وأضاف أن بعض الاكتشافات الحديثة في مجال العلاج الموجّه لا تزال مرتفعة التكلفة ولم تتوافر بشكل كامل حتى الآن، إلا أن معظم الأدوية الموجّهة المستخدمة حاليًا أصبحت متاحة وتدخل ضمن البروتوكولات العلاجية المعتمدة لعلاج العديد من أنواع الأورام.

وأكد أن حصول المريض على عدد محدود من الجرعات ثم توقف العلاج قبل استكمال الخطة العلاجية المقررة قد يحول دون تحقيق الاستفادة المرجوة، بما يؤدي إلى إهدار التكلفة العلاجية دون الوصول إلى النتائج المستهدفة في السيطرة على المرض أو الحد من تطوره.

وأوضح شومان أن المريض يستمر في الحصول على العلاج الموجّه طالما ظل الورم قائمًا ويحتاج إلى السيطرة عليه، مع إجراء الفحوصات والمتابعات الدورية بصورة منتظمة لتقييم الحالة ومراقبة مدى استجابة الورم للعلاج.

وأشار إلى أن الطبيب المعالج لا يوصي باستمرار العلاج الموجّه إلا بعد التأكد من أن الورم لا يزال يستجيب له ولم يستعد نشاطه مرة أخرى، موضحًا أن عودة نشاط الورم أو ظهور مقاومة للعلاج تستدعي اللجوء إلى بروتوكول علاجي مختلف أو استخدام أدوية بديلة تتناسب مع تطورات الحالة.

وكشف عن وجود علاجات جديدة لسرطان البنكرياس ما زالت في مراحل الاعتماد العالمية، متوقعًا دخول بعضها إلى الممارسة العلاجية خلال الفترة المقبلة، لافتًا في الوقت ذاته إلى التطور الكبير الذي يشهده العلاج المناعي، والذي يعتمد على تحفيز الجهاز المناعي لمهاجمة الخلايا السرطانية والتعامل معها بصورة أكثر فاعلية.

وأضاف أن العلاج الكيماوي والعلاج المناعي والعلاج الموجّه أصبحت جميعها مكونات أساسية في بروتوكولات علاج الأورام الحديثة، إلى جانب العلاج الإشعاعي، مؤكدًا أن ذلك لا يعني بالضرورة حصول كل مريض على جميع هذه الأنواع، إذ يتم اختيار الخطة العلاجية وفقًا لطبيعة الورم ومرحلته والحالة الصحية للمريض.

وأوضح أن بعض الأورام في مراحلها المبكرة قد تكتفي بنوع واحد فقط من العلاج، بينما تتطلب حالات أخرى الدمج بين أكثر من وسيلة علاجية لتحقيق أفضل النتائج الممكنة، وفقًا للتقييم الطبي لكل حالة على حدة.

وأكد أن  صناعة أدوية الأورام في مصر شهدت تطورًا ملحوظًا خلال العامين الماضيين، مع بدء عدد من الشركات المحلية إنتاج بعض أدوية العلاج الكيماوي، مشيرًا إلى أن توطين صناعة أدوية الأورام لا يزال بحاجة إلى مزيد من التوسع والاستثمار، بما يسهم في تعزيز توافر الأدوية وتقليل الاعتماد على الاستيراد وخفض التكلفة على المرضى ومنظومة الرعاية الصحية.

فيما أوضح شومان أن أدوية العلاج الموجّه تُعد في المجمل أعلى تكلفة من أدوية العلاج الكيماوي التقليدية، مشيرًا إلى أن أسعار بعض هذه الأدوية تبدأ من 5 أو 6 آلاف جنيه للجرعة أو العبوة، بينما تصل تكلفة بعض العلاجات الحديثة إلى نحو 200 ألف جنيه، وذلك وفقًا لنوع الدواء وطبيعة استخدامه وأهميته العلاجية.

حدوث نقص مؤقت في بعض الأصناف الدوائية

من جانبه، أكد الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، أن شكاوى بعض المواطنين من نقص بعض الأدوية لا تعني بالضرورة اختفاءها من السوق، موضحًا أن هناك عدة عوامل قد تؤدي إلى حدوث نقص مؤقت في بعض الأصناف الدوائية.

وأوضح عوف، في تصريحات لـ «فيتو»، أن من بين أبرز أسباب نقص الأدوية الزيادة المفاجئة في معدلات الاستهلاك، حيث قد يرتفع الطلب على صنف معين بصورة تفوق التقديرات المعتادة، ما يؤدي إلى حدوث فجوة مؤقتة بين حجم الطلب والكميات المتاحة في الأسواق.

وأضاف أن بعض الشركات العالمية المنتجة للأدوية قد تواجه أعطالًا أو مشكلات فنية في خطوط الإنتاج، وهو ما ينعكس على حجم المعروض من بعض الأصناف، كما أن بعض الأدوية قد تتأخر في العودة إلى الأسواق لحين الانتهاء من إجراءات التسعير الجديدة أو استكمال الموافقات التنظيمية اللازمة، الأمر الذي قد يخلق انطباعًا بوجود نقص رغم استمرار تداول الدواء بصورة محدودة أو توافر بدائل علاجية له.

وأشار عوف إلى أن معظم أدوية الأورام متوافرة داخل المستشفيات والمراكز المتخصصة، إلا أن بعض الأصناف قد تشهد نقصًا مؤقتًا في عدد من الصيدليات، مؤكدًا أن المرضى يمكنهم الاستعلام عن أماكن توافر الأدوية من خلال هيئة الدواء المصرية والجهات المختصة.

وأضاف أن أدوية الأورام تُعد من الأدوية مرتفعة التكلفة والحساسة، لذلك يتم صرف جزء كبير منها عبر صيدليات الإسعاف والجهات الحكومية المعتمدة، بما يضمن وصول العلاج إلى مستحقيه ويحد من احتمالات المتاجرة به أو تداوله خارج القنوات الرسمية، فضلًا عن المساهمة في تخفيف الأعباء المالية عن المرضى وضمان حصولهم على العلاج بصورة آمنة ومنظمة.

وحذر رئيس شعبة الأدوية من مخاطر انتشار بعض الأدوية المغشوشة أو المتداولة عبر السوق السوداء بأسعار مرتفعة، لافتًا إلى رصد صفحات وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تعرض بيع وشراء أدوية الأورام، في حين أن بعض هذه الأدوية قد يكون منتهي الصلاحية أو مجهول المصدر أو غير محفوظ وفق الاشتراطات الطبية المطلوبة.

وأكد أن صيدليات الإسعاف والجهات الرسمية المعتمدة تظل من أكثر المصادر أمانًا وموثوقية للحصول على أدوية الأورام، مشددًا على أن شراء هذه الأدوية من مصادر غير معتمدة قد يعرض المرضى لخطر الحصول على مستحضرات مغشوشة أو معاد تدويرها أو غير صالحة للاستخدام، فضلًا عن تحمل تكاليف مبالغ فيها دون أي ضمانات تتعلق بالجودة أو السلامة الدوائية.

آليات تضمن استدامة توفير أدوية الأورام والعلاج الموجّه داخل المستشفيات

من جانبه، قال محمود فؤاد، مدير المركز المصري للحق في الدواء، إن عددًا من مرضى الأورام يعانون من نقص بعض أدوية الأورام والعلاج الموجّه داخل جهات العلاج الحكومية، مشيرًا إلى أن هذه الأزمة تتكرر بين الحين والآخر، بما ينعكس بشكل مباشر على المرضى الذين يحتاجون إلى العلاج بصورة منتظمة ودون انقطاع.

وأوضح فؤاد، في تصريحات لـ «فيتو»، أن نقص بعض الأدوية يرتبط في كثير من الأحيان بتأخر عمليات التوريد أو عدم انتظامها، لافتًا إلى أن أدوية العلاج الموجّه تعد من أكثر الأصناف التي تتكرر بشأنها الشكاوى المتعلقة بالتوافر خلال بعض الفترات، حيث تواجه بعض مراكز الأورام نقصًا في عدد من هذه العقاقير نتيجة تراجع أو تأخر الإمدادات.

وأكد أن مرضى الأورام من الفئات التي لا تحتمل تأخير العلاج أو تأجيل الجرعات، نظرًا لأن بروتوكولات العلاج تعتمد بشكل أساسي على الانتظام في مواعيد الجرعات واستمرارها وفق الخطة العلاجية المقررة من الطبيب المعالج، محذرًا من أن أي انقطاع قد يؤثر على كفاءة العلاج وفرص السيطرة على المرض.

وشدد على أهمية وضع آليات تضمن استدامة توفير أدوية الأورام والعلاج الموجّه داخل المستشفيات والمراكز الحكومية، بما يضمن حصول المرضى على العلاج في مواعيده المحددة ويجنبهم البحث عن بدائل مرتفعة التكلفة أو اللجوء إلى مصادر غير مضمونة للحصول على الدواء.

الجريدة الرسمية