رئيس التحرير
عصام كامل

نوافذ الورد والقبح

18 حجم الخط

كتب الأستاذ مصطفى أمين في مذكراته “سنة أولى سجن” أن زنزانته كانت تطل على منظرين، الأول مراحيض السجن، والآخر شجرة ورد، ورغم قسوة التهمة التي دخل بها السجن والحياة بداخله إلا أنه كان ينظر دائمًا إلى شجرة الورد لا المراحيض.

 
ولكن السؤال هل استطاعت رائحة الورد أن تواري ما هو قادم من المراحيض؟ أظن لا، قد يعتبرني البعض متشائمة وأنظر إلى نصف الكوب الفارغ، ولكن الحقيقة أن الكوب أصبح فارغًا، ماءً وصبرًا، فقد تبخر نصفه المملوء، وغطت رائحة العفن على عبير الورد، إنه ليس تشاؤمًا ولكن ربما واقعية شديدة، أو ربما لأنني أتعامل مع الحياة بمنطق معادلات الكيمياء فمدخلاتها تؤدي إلى نتائجها والخلل في المدخلات يؤدي إلى كارثية النتائج.


جرب أن تفتح نافذة حياتك وترى بعين رأسك أو بعيون قلبك ستفهم ما أريد وربما تؤيدني، كلما فتحت أي نافذة في محيطك ماديًا أو معنويًا سترى القبح وقد طوى الورد، سواء في دائرة علاقاتك قربًا وبعدًا، أو في محيطك المكاني، وستكتشف الحزن الكامن بداخلك على ما أصبحنا فيه، وستجد أنك في زمن القابض على الجمر.


أعترف أن بداخلي غضبا وحزنا من تفاصيل كثيرة نعيشها كل يوم، وأجاهد نفسي كي أتعايش لا أعيش، وقد وصل ذلك الغضب مداه بعد حادثة تلك المسكينة التي تحولت إلى أشلاء، وكل ما جنته أنها حاولت فقط حاولت أن تجد مساحة عيش آمنة في عالم وحشي وحلمت، ولكن انتهى الحلم وصار مثلها أشلاءً.


لن أكرر ما قيل في تلك الحادثة البشعة، وهي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، فمن هم في جيلي ربما يتذكرون الشاب الجميل رحمة الله عليه طالب الهندسة الذي راح ضحية الطفل إبن أحد رجال الأعمال الكبار، الذي كان يلعب بموتوسيكل البحر في غير المنطقة المخصصة لذلك، فقتل طالب الهندسة الذي قدم مع أصدقاءه كي يعيش فمات، وإنتهى الأمر بقتل خطأ ودفع دية المتوفي.

وهذا كل ما اخشاه وأخافه.. أرواح صعدت إلى بارئها تاركة أشلاء أجسادها بين قتل خطأ ومحاسبة الجاني باعتباره طفلًا بقانون واجب التغيير.. والموتى ماذا عنهم؟! من سيطفئ نيران الحزن في قلوب أمهاتهم وآبائهم وكل من لهم في قلبه نبض من حب ومودة؟!

تفاصيل ومشاهد وكوارث نعيشها فقط لأننا حاولنا فتح نوافذنا على الحياة فلم نر إلا قبحًا قتل عبير الورد عمدًا ومع سبق الإصرار.

الجريدة الرسمية