مبادرة بكين - إسلام آباد
هل تنجح خماسية الإنقاذ في نزع فتيل الانفجار بالخليج؟
تكثف الصين جهودها الدبلوماسية، فمنذ اندلاع الحرب على إيران أجرى وانغ يي وزير الخارجية الصيني اتصالات مع نظرائه في كل من روسيا وإيران وفرنسا ومصر وعمان وإسرائيل والسعودية والإمارات، والآن في هذه اللحظة الفارقة التي يترقب فيها العالم بحذر مآلات التصعيد العسكري في منطقة الخليج والشرق الأوسط، والذي دخل أسبوعه السادس حتي كتابة هذا المقال.
وقد استضاف وانغ يي نظيره الباكستاني في بكين الأسبوع الماضي لطرح مسار دبلوماسي مغاير يتجاوز منطق المواجهة المسلحة، وقد جاءت المبادرة الخماسية التي أعلنها الجانبان الصيني والباكستاني، عقب محادثات معمقة بين الجانبين الصيني والباكستناني..
والتي تعد مقاربة استراتيجية شاملة تهدف إلى صياغة هندسة جديدة للتهدئة، تقوم على خمسة مرتكزات جوهرية تشمل وقفًا فوريًا للأعمال العدائية، وبدء محادثات سلام في أقرب وقت ممكن، وضمان أمن الأهداف غير العسكرية والممرات الملاحية، والحفاظ على أولوية ميثاق الأمم المتحدة، مع التأكيد الصارم على أن الحوار والدبلوماسية هما الخيار الواقعي الوحيد لتسوية النزاعات وصون سيادة واستقلال دول المنطقة.
وتكتسب هذه المبادرة زخمًا استثنائيًا بالنظر إلى توقيتها وطبيعة القوى التي تتبناها؛ فبكين عبر هذه الخطوة تكرس حضورها كقوة دولية مسؤولة تسعى لتطبيق مبادرة الأمن العالمي على أرض الواقع، منتقلة من دور الشريك الاقتصادي إلى دور المهندس الجيوسياسي الذي يدرك أن استقرار مضيق هرمز والمياه المجاورة له هو ضرورة قصوى لتأمين شريان التجارة والطاقة العالمي، وهو ما يتقاطع عضويًا مع مصالح مبادرة الحزام والطريق.
وفي المقابل، يبرز الدور الباكستاني كعنصر توازن إقليمي بفضل شبكة علاقات إسلام آباد المتشعبة، مما يمنح المبادرة القدرة على التواصل مع أطراف النزاع وتهيئة المناخ لاستئناف محادثات السلام، وهو ما تعززه مواقف دولية وإقليمية فاعلة بدت ملامح تناغمها واضحة في بيان رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي الذي وصف المبادرة بالمساهمة البناءة.
وفي قلب هذا المشهد المتشابك، يبرز الدور المصري كركيزة أساسية لدعم جهود الاستقرار، انطلاقًا من ثوابت الدبلوماسية المصرية التي طالما نادت بتغليب الحلول السياسية واحترام القانون الدولي. فالتوافق المصري مع جوهر المبادرة الصينية- الباكستانية ليس وليد الصدفة، بل هو استكمال لجهود القاهرة التي تجلت في الاجتماع الرباعي التنسيقي الذي ضم أيضًا السعودية وتركيا وباكستان..
والذي جاء قبيل إعلان المبادرة الصينية الباكستانية، مما يعكس إدراكًا مصريًا مبكرًا لخطورة الموقف وضرورة حماية الممرات الاستراتيجية والمرافق الحيوية من منشآت طاقة وتحلية مياه.
إن هذا التناغم بين الرؤية الصينية- الباكستانية والمقاربة المصرية الأفريقية، يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لتفعيل التعددية القطبية كأداة لإنهاء الأزمات، ويؤكد أن السبيل الوحيد لتجنيب المنطقة والعالم كوارث إنسانية واقتصادية غير مسبوقة يمر حتمًا عبر الالتزام بمقاصد ميثاق الأمم المتحدة، والكف عن استهداف البنية التحتية، وضمان العبور الآمن للسفن في المضايق الدولية، لتبقى الدبلوماسية الرشيدة هي الحصن الأخير في مواجهة طبول الحرب التي لن تخلف وراءها سوى الرماد.



