خطيئة الحكومة.. كيف تُرك المصريون فريسة لفوضى سوق العقارات؟
لم تكن الأزمات الموجودة في السوق العقارية في مصر، والتي تكشف فصولها اليوم، وليدة اللحظة، ولا هي نتاج هزات اقتصادية مؤقتة يمكن ردّها إلى أزمة جائحة كورونا قبل 6 سنوات، والتضخم العالمي، أو تقلبات أسعار صرف الدولار وتهاوي الجنيه فقط.
فما نشهده في الحقيقة هو حصاد سنوات طويلة من غياب الحكومة عن تنظيم السوق، والتراخي الرقابي، والانحياز غير المعلن إلى منطق السوق على حساب منطق العدالة، وترك بعض المطورين يتعاملون مع المواطنين كما يحلو لهم بموجب عقود غير عادلة ولا نظير لها في أي دولة في العالم.
خلال أكثر من عقد، انشغلت الدولة ببناء المدن الجديدة والطرق والكباري والأبراج، وقدّمت العمران بوصفه العنوان الأبرز لمشروعها السياسي والاقتصادي. كانت الصور الجوية للمشروعات العملاقة تملأ الشاشات، وكانت الأرقام المليارية تتصدر البيانات الرسمية، لكن في المقابل تركت الحكومة بعض الشركات الخاصة العاملة في السوق العقارية لتفعل ما تريد محولة السوق إلى ساحة للفوضى دون أن تحمي المواطنين.
كانت الدولة تراقب السوق العقاري وهو يتضخم عامًا بعد عام، وتتابع صعود الأسعار بصورة غير مسبوقة، وتستمع إلى شكاوى المواطنين من تأخر التسليم ومن الشروط المجحفة ومن الزيادات المفاجئة، لكنها لم تتدخل بالقدر الكافي لفرض قواعد عادلة تحمي الطرف الأضعف في المعادلة.
لقد نما السوق العقاري في مصر خلال السنوات الأخيرة بصورة هائلة. عشرات المليارات من الدولارات تدفقت إلى القطاع. آلاف المشروعات أُطلقت في وقت قياسي. ملايين الأمتار المربعة جرى تسويقها وبيعها. لكن النمو الكمي لم يواكبه نمو مماثل في أدوات الحماية والرقابة. كان هناك انبهار بالأرقام أكثر من الانشغال بالإنسان.
أكثر من هذا جرى التعامل مع المواطن باعتباره ممولًا لبعض المشروعات أكثر منه صاحب حق أصيل فيها. دفع مقدمات الحجز والأقساط، وتحمل زيادات الأسعار المتلاحقة، وانتظر سنوات طويلة أملًا في استلام شقة أو منزل يؤمن به مستقبله ومستقبل أسرته. لكنه اكتشف في النهاية أن العقد الذي وقّعه لم يكن عقدًا متوازنًا بين طرفين، بل وثيقة إذعان تمنح المطور كل الحقوق وتحرم المشتري من أبسط ضمانات الحماية.
المواطن لا يفاوض، ولا يناقش، ولا يغير بندًا واحدًا. الشركة تضع الشروط، وتصوغ الالتزامات، وتحدد الجزاءات، ثم تترك للمشتري خيارًا وحيدًا: التوقيع أو الانسحاب. وفي ظل نقص المعروض من السكن المناسب، وارتفاع الأسعار بصورة جنونية، وخوف الناس من ضياع الفرص، كان معظم المواطنين يوقعون على تلك العقود وهم يدركون أنهم يتنازلون عمليًا عن كثير من حقوقهم.
لكن الكارثة الحقيقية ظهرت عندما بدأت بعض الشركات تتعامل مع العقود وكأنها أوراق مؤقتة قابلة للتعديل وفق مصالحها وحدها. تأجيلات متكررة في التسليم تمتد لعام أو عامين أو ثلاثة أعوام وربما أكثر بكثير.
مطالبات مالية إضافية تحت مسميات مختلفة، أشهرها ما يُعرف بفرق الأسعار أو فروق التضخم. تهديدات ضمنية وصريحة بإلغاء التعاقدات. ومواطنون يجدون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر: إما دفع مبالغ لم تكن ضمن المطالبات الأصلية، أو خسارة سنوات من الانتظار ومدخرات العمر.
هكذا تحولت أحلام السكن إلى كابوس يومي. ولم تكن المشكلة في بعض الشركات فقط، بل في البيئة التي سمحت بحدوث ذلك.
هنا تكمن الخطيئة الكبرى، فالدولة التي تمتلك سلطة التشريع والرقابة تركت السوق العقاري ينمو بلا ضوابط كافية، حتى تحولت بعض الشركات إلى كيانات فوق المساءلة. تؤجل التسليم سنوات طويلة دون عقاب حقيقي، وترغم المواطنين على الخضوع للأمر الواقع.
ولم يكن المواطن يواجه شركة فقط، بل كان يواجه منظومة كاملة تدرك أن اللجوء إلى القضاء قد يستغرق سنوات طويلة، وأن صاحب الوحدة السكنية غالبًا لا يملك رفاهية الانتظار أو خوض معارك قانونية مكلفة.
المفارقة المؤلمة أن الدولة كانت تعرف المشكلة جيدًا. كانت هناك مقترحات لوثائق تأمين تضمن حقوق المشترين في حال عدم التسليم، وكانت هناك أفكار لتوفير مظلات حماية قانونية تمنع تكرار الأزمات، لكن معظم هذه الإجراءات ظل حبيس الأدراج، بينما تُركت السوق للفوضى يقودها منطق القوة المالية لا منطق العدالة.
وفي المقابل، كان تحرك مؤسسات الدولة سريعًا حين تعلق الأمر بجذب المستثمرين أو تسويق العقار المصري خارجيًا. وُضعت الضمانات اللازمة لتأمين الملكية وتسهيل الاستثمار، بينما ظل المواطن المصري نفسه يفتقد الضمانة الأساسية وهي حمايته من فوضى السوق.
إن القضية هنا ليست صراعًا بين الدولة والقطاع الخاص، ولا بين المستثمر والمستهلك. القضية تتعلق بدور الدولة نفسها. هل هي حكم عادل بين الأطراف أم مجرد مراقب يكتفي بإدارة الأزمة بعد وقوعها؟
لقد أدت فوضى السوق العقاري إلى آثار اجتماعية خطيرة. آلاف الأسر أعادت ترتيب حياتها على أساس وعود بالتسليم لم تتحقق. شباب أجّلوا الزواج. أسر باعت ممتلكات أو استنزفت مدخراتها. مصريون عاملون بالخارج ضخّوا حصيلة سنوات الاغتراب في مشروعات لم تكتمل في مواعيدها. ومع كل تأخير جديد تتآكل الثقة، ليس فقط في الشركات، بل في المنظومة كلها.
وهنا يبرز السؤال المؤلم: لماذا يحصل المستثمر على ضمانات أكثر مما يحصل عليه المواطن الذي يدفع مدخرات عمره لشراء بيت يؤويه؟.. إن القضية في جوهرها ليست قضية عقارات فقط، وإنما قضية أولويات.
هل وظيفة الدولة هي حماية السوق أم حماية المجتمع؟ هل التنمية تعني زيادة عدد الأبراج فقط، أم تعني أيضًا حماية الناس الذين يشترون وحدات داخل تلك الأبراج؟ وهل يجوز أن تتحول التنمية إلى مشروعات ضخمة يغيب عنها البعد الإنساني والاجتماعي؟
الحقيقة أن الأزمة العقارية الحالية كشفت حدود النمو غير المنضبط. كشفت أن الأسواق، مهما كانت نشطة ومربحة، تحتاج دائمًا إلى دولة قوية تحكمها بالقانون والرقابة والعدالة. فالسوق بطبيعته يبحث عن الربح، وهذه ليست جريمة. لكن وظيفة الدولة هي ضمان ألا يتحول السعي المشروع للربح إلى استغلال أو ابتزاز أو تغول على حقوق المواطنين.
اليوم، وبعد سنوات من الشكاوى والأزمات المتراكمة، بدأت الحكومة تتحدث عن تشريعات جديدة لتنظيم العلاقة بين المطورين والعملاء لكن السؤال يبقى قائمًا: لماذا جاء التحرك متأخرًا نحو 10 سنوات وبعد أن وصلت الأزمة إلى هذا الحد، وهناك مئات الآلاف من الشكاوى لمواطنين متضررين من شركات عقارية؟ ولماذا تُركت السوق تنمو بلا ضوابط كافية؟ ولماذا انتظرت الدولة حتى وصلت الأزمة إلى هذا الحجم؟
إن التشريع المرتقب لن تكون له قيمة حقيقية إذا اقتصر على تنظيم الإجراءات الشكلية أو إضافة نصوص قانونية جديدة. فالمطلوب هو استعادة فكرة الدولة التي تحمي الطرف الأضعف، وتفرض التوازن داخل السوق، وتمنع تحول العقود إلى أدوات ابتزاز اقتصادي.
وإذا كان العِقد الماضي قد شهد طفرة في البناء، فإن العِقد المقبل يجب أن يشهد طفرة في حماية المواطنين. تلك هي المعركة الحقيقية التي لا تقل أهمية عن بناء مدينة أو شق طريق أو تشييد كوبري. لأن الأوطان لا تقوم على الحجر وحده، وإنما تقوم أولًا على شعور الناس بأن الدولة تقف إلى جوارهم، لا على مسافة منهم.
إن اللحظة الحالية تفرض على الحكومة مراجعة شاملة لسياساتها في إدارة السوق العقاري، ليس فقط لإنقاذ قطاع اقتصادي مهم، بل لإنقاذ فكرة العدالة نفسها. فالدولة القوية ليست تلك التي تبني أكثر من غيرها فقط، وإنما تلك التي تحمي مواطنيها أكثر من غيرها. وهذه هي المعركة الحقيقية التي تنتظرها مصر اليوم.
