عصر الشر.. تأملات في موت سهام!
ماذا يمكن أن يطلق المؤرخون من أسماء وأوصاف على هذه الحقبة من تاريخ الإنسانية بصفة عامة، وتاريخنا بصفة خاصة؟ التاريخ له أقلامه ومفكروه، وسوف يجدون الوصف المناسب لعصر اتسم بالحروب والشرور باسم الدين والأخلاق والسلام، ولكن لا يهمنا ما سيقوله التاريخ عن أشرار العالم ولا أشرار الإقليم، لعنهم الله جميعا..
بل يهمنا ما سيقوله عن أشرار المجتمع المصري، الذي تبدل تبديلا وتغير تغييرا، وطفا على ماء نهره الصافي وحوش وكلاب ونمور وذئاب وذباب وسحالي وهوام وعوام.. ورويبضات.. ومن عجب العجب أن هذه الكائنات التي تتحكم وتستحوذ وتمنح وتمنع، تتكاثر كما يتكاثر أولاد ابليس..
وهم يتوارثون كتاب عقيدي يقبضون عليه قبض المستميت ليس فيه إلا سطر واحد، كتاب من ألف صفحة ليس فيه إلا سطر واحد، استرقت النظر إليه في كابوس شل قدراتي كلها جميعا إلا قدرتي على البصر والذهول..
يقول السطر: امنعوا من يصلح، امنعوا من يبهر، امنحوا المناصب للتوافه، انشروا الشر، توارثوا الأقفال، أغلقوا الباب بإحكام، لا تفسحوا لصالح ولا موهوب ولا كفاءة وإلا فضحونا وكشفونا ورموا بنا إلى باطن مجارير البلد.. موطن النشأة! ذلك هو الحال، فكيف يكون المآل؟
على السطح شموس براقة، وخطاب سمج يتكرر يريد اختراق الوجدان، لكن لم يعرف للوجدان المصري الحق أن تكيف مع السماجة والنفاق! كنا نعرف بشرا مصريين يعيشون الحب، والمودة والتكافل بلا مظهرية، وكنا نعرف قصصا ونعيش حكايات من مات حبا وعشقا، واليوم اليوم لا عدنا ندهش ولا عدنا نهتز..
حالة يبلغها الإنسان مع الاعتياد، تماما كما تعتاد الأنف الرائحة الكريهة والوسط الفوضوي.. نعيش اليوم زمن الموت كمدا، الموت حزنا، الموت خذلانا، ينكسر القلب من هول نزول السكين في السويداء؟
الهول ليس من دخول السكين قلب المسكين، أنا وأنت وهي وهم، بل الهول من اليد الممسكة بالسكين، يد الطاعن.. إنه الحبيب، إنه الصديق، إنه الزميل، إنه من كان يودك ود المتظاهر بالحب، فإن التمسته تملص وقال نفسي نفسي.. وذاب ذوبان الملح في بحر..
أسراب من الحزن تجتاح القلب ليس فقط بسبب موت الفنانة سهام جلال، بل في موت آلاف الآلاف من الكتاب والمبدعين والفنانين والموهوبين موتا سريريا، عمدا أو إهمالا أو كلاهما.. هؤلاء يعيشون مدفونين قهرا وإقصاء وإبعادا..
كبار الكتاب والمؤلفين والمبدعين والمخرجين، قوة مصر التي خلقت الصورة الذهنية الباهرة المبهرة الأكثر رسوخا بين سكان الإقليم، فقدوا خمسة عشر عاما من حياتهم، مركونين في مخازن التراث.. ومن عجب أن الدولة إذا أرادت إسعاد الناس أو تنويرهم استدعت أعمالهم وكتاباتهم، ولم تستدع الترهات الفنية التي أنتجها البعض عبثا وبددا في السنوات الخمسة عشر السوداء..
كم من فنان يجوع وكاتب يجوع ومؤلف يجوع ومخرج يموت كمد ؟ وكم من منافق يسطع ويلمع يبيع بضاعة لا يقرّبها الناس؟ هل ماتت سهام جلال أمس أو أول أمس؟ هل هي وحدها من ماتت أمس أو أول أمس؟ كلا هي ماتت من سنين.
أمس فقط كان إعلان الوفاة وكل الكفاءات ماتت من سنين.. تنتظر إعلان الدفن والعويل واسترجاع صور من الظلم الاجتماعي.. الشلة بيت الداء.. نظرة يا ريس.. من فضلك، عفوا هذه مرثية قلب وقلم!
