حالة استهبال.. في البلد!
لن يكون هنالك أي معنى للكلام الذي سنقوله هنا إلا إذا حددنا تحديدا علميا منطقيا المفاهيم الواردة بهذا المقال! حسنا هو مفهوم واحد، ممتلئ بمفاهيم صغيرة. جسدته حتى توحش وصار داء، وحالة تستدعي العلاج الصارم، منعا أو قطعا.. الاستهبال.
ما ما معني الاستهبال؟ يستهبل الشخص حين يجعلك تشعر أنه أهبل، لكنه حين يستهبلك، فإنه يمارس عليك مكر الحمقي بلطف، ليطيح بكل منطق ويحصل على المنفعة المرجوة. وفي العادة يكون مرادف الاستهبال هو الاستعباط.. يصطنع العبط هربا من جدية المساءلة أو يستعبطك، أي يخدعك ويخدعني..
متي نطلق عمدا أو عفوا هذا التعبير؟ ما هي اللحظة الفاصلة التى عندها تجد نفسك تهز رأسك أسفا، وتضرب كفا بكفا وتلوى عنقك منصرفا حانقا، لتقول هذا استهبال. هذا استهبال حقيقي؟
الانصراف عن مواجهة موقف أو مواقف الاستهبال. هو البديل الذي يوفره العقل حتى لا تتورط في جنحة، في جريمة، في خناقة، لا يعلم إلا الله عواقبها.. راجع مواقف الاستهبال العام، والاستهبال الخاص، الأخير نلقاه في معاملاتنا مع شخوص في الجيرة في العيلة، في دائرة المعاملات الضيقة ومع هذه الدئرة يكون العلاج هو التفهم والتحمل والصبر والرفض وتلطيف الموقف حسب طبيعة الشخص المسهبل ومدى قرابته..
أما الاستهبال العام، فهو أوسع مجالا، وأشمل وجعا، وأعمق تأثيرا، لأنه يضرب المنطق ضربة قاتل متمهل متلذذ، سيكوباتي محترف وفي نهاية المطاف يشكل هوية سلوكية للمجتمع، يترتب عليها خلق وتصدير صورة ذهنية كريهة، يرانا بها الغير ويتعامل معنا علي أساسها..
الصور الذهنية هي نمط رؤية شعب لشعب آخر ولا تتغيير بسهولة أبدا.. والاستهبال العام سياسي، واجتماعي، ستجد مسئولين يبررون أخطاءهم وخطاياهم بأسباب يسخر منها الناس لأنها تبريرات سخيفة ومكشوفة وتدل علي عقلية لاتستحق المنصب الذي شغلته لتقرف الناس وتضيق عليهم حياتهم..
التجار يستهبلون، الباعة الصغار يستهبلون، أطباء، كثيرون منهم يستهبلون، المارة في الشوارع يستهبلون، موظفون في الأحياء، وفيهم رؤساء يستهبلون، السايس في الشارع بستعبط إذ يظهر وأنت منصرف بسيارتك ظهور المرشد الأمين، تعال يمين، تعال شمال، كل سنة وأنت طيب يا باشا، مع ابتسامة لزجة، تنقلب إلى سحنة بلطجي إن أغلقت زجاج السيارة وانطلقت..
أصحاب الكافيهات الذين إحتلوا أنصاف الشوارع وخذ عندك أكثر قرارات الاستهبال مدعاة للسخط أو انفجار العقل.. كل محل الآن صار يضع أغلالا مانعة وأقماعا شامخة تحجز سيارتك وقد علق لافتة اسمها محجوزة، وبترخيص من الحي..
الحي يبيع للكافيهات ومحلات اللب والفول السوداني والجزارة الفراغ أمامها، ليحرم المواطن من الركن، وهذه المحلات لا تتيح هذا الفراغ للزبائن حتى، تضطرك للركن خارجها، أي في نهر الطريق!
إلى متى هذه الأجواء الممرضة المريضة؟ هل هناك مانع رادع لكل هذه الآفات السلوكية التى تنغص علينا حياتنا؟ نحتاج إلى إصلاح اجتماعي، أخلاقي، نحتاج إلى تهدئة عامة، فالصدور ضاقت وفي حرج خانق، وثقافة الاستهبال هذه، تجعل الكل يمارسها علي الكل، فتخيل مجتمعا بأكمله في وضع تفاعل من هذا النوع.. نصير معه أضحوكة أمام الذي يساوي والذي لا يساوي.
