رئيس التحرير
عصام كامل

النفاق وكثرة الإنجاب ليست صفات فرعونية، معركة فكرية أشعلها أحمد بهاء الدين

الكاتب الصحفى أحمد
الكاتب الصحفى أحمد بهاء الدين
18 حجم الخط

الكاتب الصحفي أحمد بهاء الدين كتب في مجلة روز اليوسف عام 1968 تعليقا على كتاب أصدره محرم كمال ــ وكان أمينا عاما للمتحف المصري ــ تحت عنوان «آثار حضارة الفراعنة في حياتنا الحالية»، تناول فيه بعض العادات والتقاليد المتوارثة منذ أيام الفراعنة. 

يقول محرم كمال فيه: «نعيش نحن المصريين في نطاق تركة خلفها لنا القدماء المصريون، تشدنا إليها سلسلة من العادات والتقاليد ومختلف الأشياء التي تربطنا بها ربطا وثيقا، فنحن كما كنا سنظل دائما أبناء الفراعنة، وإننا بهذه التركة بكل ما فيها من محاسن وعيوب فخورون بها».

الكاتب الصحفى أحمد بهاء الدين 
الكاتب الصحفى أحمد بهاء الدين 

وأضاف: «من عينة التركة الموروثة أننا نعيب على مواطنينا تمسكهم بوظائف الحكومة وتعلقهم بأذيالها، ونحتقر قولهم: (من فاته الميري يتمرمغ في ترابه)، لكننا ننسى أو نتناسى أننا ورثنا هذه العقلية عن أجدادنا، فقد ورد في نصوص الفراعنة صورة خطاب كتبه أب لابنه يقول فيه: (لا تكن فلاحا ولا تكن جنديا ولا تكن كاهنا، بل كن موظفا يحترمك الجميع ويمتلئ منزلك خدما وحشما، وتتربع في المجالس إلى جانب رجال البلاط)».

كتاب اثار حضارة الفراعنة على حياتنا الحالية 
كتاب آثار حضارة الفراعنة على حياتنا الحالية 

مداهنة ونفاق الرؤساء لمنع قطع العيش

يقول محرم كمال: «طالما صادفنا آلاف الموظفين وما يبدونه من صنوف المداهنة والنفاق للرؤساء ابتغاء مرضاتهم، لكننا نسينا أن هذا الداء موجود فينا، توارثناه عن الآباء والأجداد. فيقول الحكيم بتاح حتب، الذى عاش منذ خمسة آلاف سنة: (انحني أمام من هو فوقك.. أمام رئيسك في شئون الإدارة الملكية حتى يستمر بيتك مفتوحا، ويستمر رزقك ومرتبك جاريا، ولا تعصه فإن عصيان من بيده السلطة شر مستطير)».

نفخر بالحضارة الفرعونية القديمة 
نفخر بالحضارة الفرعونية القديمة 

النفاق وزيادة النسل واحتقار الفلاحين والبذخ في الحفلات والتمسك بالمظاهر الكاذبة

وانتهى محرم كمال إلى أن كثيرا من العادات، مثل النفاق وزيادة النسل، واحتقار الفلاحين، والبذخ في الحفلات، والتمسك بالمظاهر الكاذبة، كلها أشياء ورثناها عن أجدادنا، ولا يمكن التحرر منها، بل نحن فخورون بذلك، ونحن لذلك فراعنة.

الأمراض الاجتماعية لها أسباب وظروف اجتماعية

يرد على هذا الكلام الكاتب أحمد بهاء الدين قائلا: «هذه خلاصة ما ذكره أمين المتحف المصرى في كتابه، لكني لا أحب في العادة أن أستخدم ألفاظا عنيفة عن الناس والأشياء، لكني بصراحة أريد أن أقول إن هذا الكلام من أسخف ما قرأت فى حياتي. إن أبسط حقيقة يجب أن يتعلمها كل من يتصدى لكتابة التاريخ ويريد أن يحمل لقب مؤرخ، هي أن الأمراض الاجتماعية لها أسباب اجتماعية، وليست صفات خاصة بجنس دون آخر أو بسلالة دون أخرى».

وتابع أحمد بهاء الدين: «أجناس البشر ليست كأنواع الحيوانات، حيث نقول إن الكلب وفي، والثعلب خبيث، والحمار غبي، كلا، فالناس هم الناس، قد تختلف صفاتهم العرضية وتقاليدهم وعاداتهم، لكن صفاتهم الأساسية تتوقف على البيئة والظروف والزمان والمكان. وإثبات ذلك أن كثرة النسل حسبما يرى المؤلف الفاضل أنها عادة متأصلة في مصر، فما الرأي في أنها عادة موجودة في الصين كما هي موجودة في مصر، وأنها عادة عند الفلاح، أما المصري المتحضر الذي يسكن المدينة فيقل نسله؟ فهل معنى هذا أن الصينيين من سلالة الفراعنة، وأن سكان القاهرة ليسوا من سلالتهم؟».

النفاق صفة عالمية في كل مجتمع

أما ردا على المداهنة وتملق الرؤساء خشية قطع الرزق، يقول أحمد بهاء الدين: «من قال إن هذه الصفة مصرية فقط؟ أقول إنها صفات عالمية توجد فى كل مجتمع، وتتفاقم حيث يهبط مستوى الفرد وتشتد حاجته، وحيث تسود السلطة المطلقة».

بذخ الملوك والأثرياء

وأضاف: «بالنسبة لبذخ الملوك والأثرياء في حفلات الزفاف وما إليها، فنحن نعرف أن بذخ الخديو إسماعيل، سليل الأتراك لا الفراعنة، ونعرف بذخ وسفه ملوك فرنسا وقياصرة روسيا، وكل ملوك وأباطرة وجدوا في ظروف مشابهة».

تكفن المؤلف بأكفان المومياوات

يقول أحمد بهاء الدين: «إن خلو أي إنسان من هذه الصفات لا يثبت أنه من سلالة الفراعنة، كما أن وجود هذه الصفات في أي إنسان لا يثبت أنه من سلالة الفراعنة، وأظن أن المؤلف قد فاتته هذه البديهيات، وذلك لأنه عاش بالمتحف المصري ولم يخرج بعقله وتفكيره عنه، ولم يخرج إلى الحياة، وتكفن بأكفان المومياوات».

نفخر بالحضارة الفرعونية القديمة

ويضيف بهاء الدين: «يقول المؤلف إن كثيرا من الأسماء والألفاظ أصلها فرعوني، ويضرب أمثلة طريفة عليها، فالطفل حين يقول لأمه: “مم” أي يريد أن يأكل، ويقول “أمبو” أي يشرب، وفي المشي “تاتا”، و”كخ” عن الشىء الرديء، وفي أسماء الطعام “فول مدمس” من كلمة “متمس” أي المدفون في التراب، وفي أمثالنا العامية حين نقول: (كاني وماني ودكان الزلباني)، أي السمن والعسل في اللغة القبطية القديمة.. ينسى مؤلفنا الفاضل أن لغتنا عربية وثقافتنا عربية، وهو نفسه وضع كتابه باللغة العربية، ينسى هذا ويذكر عشر كلمات فرعونية ويستنتج منها أننا فراعنة».

وتابع: «أنا لا أعترض على الاهتمام بالدراسات الفرعونية، فهي تراث ثمين لنا، ولكن هل علينا أن نقوم بحركة تطهير، فمن ثبت أنه له اتصال بالفراعنة بقي في مصر، ومن لا يثبت خرج من مصر؟ وأن يقوم كل شعب بذلك، فيعود الألمان إلى آسيا لأن الجنس الآري جاء من هناك، وأن يعلن حل الولايات المتحدة لأن كل سكانها لا أصل لهم فيها».

شرش ولبشة وحزمة تدل على الكمية

وقال: «نفس الشىء في أسماء المدن، فـ”شبرا” معناها حقل، واسم “شبرا منت” معناها طريق الحقل، ومنها “ميت غمر” و”ميت يزيد”، والأدوات المنزلية التي يستعملها الناس، كثير من أسمائها فرعوني مثل “فوطة” و”ماجور”، وأيضا الأسماء التي تدل على الكمية مثل “شرش جزر” أي حزمة، و”لبشة قصب” و”مشنة عيش”».

ويستطرد بهاء الدين: «لكن هل وجود عشر كلمات فرعونية في لغتنا يدل على أننا فراعنة؟ وهل ألف كلمة عربية تدل على أننا عرب؟ وهل اسم الإسكندرية اليوناني يدل على أن مدينة الإسكندرية يونانية؟ وكلمة “بور” في “بور فؤاد”، و”بور” تعنى ميناء بالفرنسية، تدل على أن بورسعيد فرنسية؟.. أنا لا أعترض على الاهتمام بالدراسات الفرعونية، لكن أعترض على النتيجة التى وصل لها مؤلف الكتاب، وهى أننا فراعنة ولا شىء غير ذلك. فهل يريد لنا أن نعود إلى لغة الفراعنة وعباداتهم، وأن نقوم بحركة تطهير شاملة ليبقى كل ما هو فرعوني، وما عداه نخرجه؟».

نفخر بحضارة الفراعنة إلى آخر الزمان

ويختتم أحمد بهاء الدين رده قائلا: «لا أستبعد أن المؤلف يكره عملية التطور الإنسانية الطبيعية. إنني فى النهاية أعتقد أن المؤلف يعيش فى متحف ويتدثر بالأكفان، ولكنني أنصحه بالإيمان بالحياة. إن الوادي الذى نعيش فيه كان أقدم واد وأقدم حضارة، وهذا شيء سوف نفخر به إلى آخر الزمان، لكن توالت على بلادنا عصور ودهور، وجاءت حضارات وأجناس ولغات وأديان وتقاليد وعادات، والأرض الطيبة كانت تمتص كل ذلك وتلفظ أشياء، كأي كائن حي يمضغ ويهضم ويستوعب ويستبعد، ومن كل هذا خرجنا نحن المصريين».

الجريدة الرسمية