رئيس التحرير
عصام كامل

الرهان الخاسر على الأموال الساخنة

18 حجم الخط

لم يكن مفاجئًا أن نستيقظ من جديد على وقع أرقامٍ تنهش في لقمة عيش المصريين، فالدولار الذي قفز فوق حاجز الـ 53 جنيهًا من جديد لم يرتفع بمحض الصدفة، بل هو الابن الشرعي لسياسات أدمنت الوقوف على رصيف الأموال الساخنة.

 

منذ سنوات، جرى تقديم الأموال الساخنة كمنقذ سريع، وبديل جاهز عن تعب الإنتاج وكلفة الإصلاح الحقيقي. دخلت هذه الأموال مرحبًا بها، لا لأنها استثمار طويل الأجل، بل لأنها تمنح إحساسًا زائفًا بالاستقرار. لكنها، بطبيعتها، لا تعرف الاستقرار ولا تؤمن إلا بالخروج السريع.


حين تتبدل الظروف الدولية، لا تسأل هذه الأموال عن حسابات الدول، بل عن مكاسبها فقط. وحين ترتفع المخاطر، تنسحب بلا تردد، تاركة الاقتصاد في مواجهة الحقيقة؛ لا غطاء حقيقي ولا عمق إنتاجي يحمي العملة.


ما جرى ليس صدمة، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من الاعتماد على الخارج. مسار جعل الاقتصاد أشبه بـ سوق مفتوحة لرأس المال العابر، لا دولة تملك قرارها الاقتصادي. الأخطر من الأرقام، هو الفلسفة التي أنتجتها.


فحين تصبح الاستدانة أسلوب حكومة، لا أداة استثنائية، تتحول الدولة إلى وسيط مالي، لا فاعل اقتصادي. وحين تُقاس النجاحات بحجم التدفقات لا بجودة الإنتاج، يصبح التراجع مسألة وقت.
ارتفاع النفط، توترات الإقليم، تغير المزاج العالمي كلها عوامل ضاغطة، نعم. لكنها كان يمكن أن تكون أقل تأثيرًا، لو أن الداخل كان أكثر صلابة.


الأزمة هنا مزدوجة: اقتصاد هش وسياسة تفتقد المساحة. لا يمكن فصل الاثنين. فالاقتصاد يحتاج بيئة ثقة، والثقة لا تُبنى إلا في مناخ مفتوح يسمح بالمحاسبة والنقاش. لكن حين يُدار المجال العام بعقلية الانغلاق، يُدار الاقتصاد بعقلية الخوف. وحين يُدار بالخوف، لا ينتج إلا حلولًا مؤقتة، تؤجل الانفجار ولا تمنعه.


في الخلفية، يتحمل المواطن الكلفة كاملة. تتآكل قدرته الشرائية، تتسع الفجوة بين الدخل والأسعار، ويتحول الحديث عن الإصلاح إلى عبء يومي لا يحتمل. وهنا تكمن المفارقة: الإصلاح الحقيقي غائب، بينما كلفته حاضرة بقسوة.


الرهان على الخارج لا يصنع اقتصادًا ناجحًا يستطيع مواجهة الصدمات. والاعتماد على تدفقات سريعة لا يمكن أن يبني اقتصادًا مستدامًا.


الحل ليس في انتظار انفراجة دولية، ولا في التعويل على استثمارات طارئة، بل في إعادة تعريف الأولويات: أن يعود الإنتاج إلى مركز القرار، أن يُعاد الاعتبار للزراعة والصناعة، أن تصبح القيمة المضافة هدفًا، لا مجرد رقم في تقرير.

في النهاية، الأزمة ليست في قسوة الظروف، بل في طريقة التعامل معها. فالدول القوية لا تُقاس بقدرتها على تجنب الأزمات، بل بقدرتها على امتصاصها. وما لم تتغير القواعد التي أُدير بها هذا الملف، سيظل كل تراجع جديد للعملة ليس حدثًا طارئًا بل نتيجة طبيعية لمسار لم يتغير.

الجريدة الرسمية