رئيس التحرير
عصام كامل

ليس دفاعًا عن عمرو موسى

18 حجم الخط

في اللحظات التي نعاني فيها من ضبابية الرؤية، ويختلط فيها ضجيج التريند بحقائق التاريخ، لا تُقاس الكلمات بحدتها، بل بوزنها وقيمتها في ميزان الوعي. نحن الآن نعيش زمنًا غريبًا، تُغتال فيه الفكرة قبل أن تُولد، ويُستبدل فيه الحوار الهادئ  بـ"صناعة الصخب"، وحين يُختزل الجدل حول قامة دبلوماسية ووطنية بحجم السيد عمرو موسى فى مجرد نكتة سخيفة أو تنمر فج على السن، نكون قد غادرنا -بكل أسف- مساحة السياسة بوقارها، إلى هامش العبث وضجيجه.


​هذا ليس دفاعًا عن شخص عمرو موسى، فالرجل الذي عبر دهاليز القرار الدولي لأكثر من ستة عقود، من أروقة الأمم المتحدة إلى وزارة الخارجية في ذروة زخمها، وصولًا إلى قيادة بيت العرب كأمين عام لجامعة الدول العربية، لا يحتاج إلى محامٍ يبرر حضوره أو صك غفران يشرعن وجوده.

لكنه، وبكل تأكيد، دفاع عن قيمة مهددة في المجال العام: قيمة أن يُناقش الرأي بالحجة، وأن تُحترم الخبرة كأحد أصول السياسة الكبرى، لا كأحد عيوبها التي تستوجب الركن أو الإقصاء.

فخ المراهقة السياسية

حين يخرج صوت إعلامي، أو تنبري منصات إعلامية أو شخصية، لتصنيف رأي سياسي على أساس "السن"، واصفة موسى بأنه طاعن في السن أو ربيب دولة عبد الناصر،  فنحن أمام انزلاق خطير في المعايير المهنية والإنسانية. 

 

السياسة، في جوهرها، ليست مسابقة للياقة البدنية، وليست اختبارًا لـ حداثة السن أو الوسامة التلفزيونية، بل هي تراكم خبرات وصراع رؤى.


​إن العالم الذي احتفى، بإنصات ورهبة، بتحليلات ونبوءات وزير الخارجية الأمريكي الراحل هنري كيسنجر وهو يلامس مئة عام من عمره، وإن الشرق الأوسط الذي استمد بوصلته من كتابات وأحاديث الكاتب الصحفي الراحل محمد حسنين هيكل وهو يتجاوز التسعين، لا يمكن أن يقبل منطق الركن والإقصاء لكبار يمتلكون مفاتيح الرؤية الاستراتيجية بحجة العمر. 

المشكلة الحقيقية ليست في عمر عمرو موسى، بل في مراهقة سياسية متأخرة يعاني منها من يهاجمونه؛ أولئك الذين استبدلوا الحجة بـ"الوصم"، والنقاش بـ التهميش.

عقل الستينيات والإقصاء

​هناك مفارقة حقيقية  تستدعي التوقف هنا؛ فمن يهاجمون ما يسمونه عقل الستينيات في شخص عمرو موسى، يمارسون في الواقع أسوأ ما في ذلك العصر من شعبوية وإقصاء، ولكن بأدوات حديثة.

 يتهمونه بـ الناصرية وكأنها وصمة، متناسين أن موسى في مذكراته "كتابيه" كان أكثر شجاعة ونبلًا من مدّعي التنوير اليوم؛ حين انتقد تجربة جمال عبد الناصر بضراوة، مؤكدًا أنه لم يعد يؤمن بالناصرية بعد حدوث هزيمة 1967، لكنه ظل محتفظًا ببوصلة الكرامة الوطنية التي لا تبلى بمرور العقود.


​إنهم يهاجمون فيه الذاكرة، لأن الذاكرة هي العدو الأول لمشاريع الشرق الأوسط الجديد التي يراد لها أن تقوم على أنقاض الهوية العربية. يريدون منطقة بلا ماضٍ، وبلا مرجعيات، ليسهل تشكيلها وفق مقاسات قوى عالمية وإقليمية طامعة.

قراءة في المسكوت عنه

​جوهر الأزمة الراهنة، والسبب الحقيقي وراء هذا الهجوم، يعود إلى قدرة عمرو موسى على قراءة المسكوت عنه في التحركات الدولية الحالية. حين كتب موسى مؤخرًا أن الهجوم على إيران ليس مجرد مغامرة إسرائيلية بل هو تحرك أمريكي استراتيجي مخطط، تهدف واشنطن من خلاله إلى توظيف إسرائيل كشريك إقليمي لقيادة المنطقة، فهو بذلك وضع إصبعه على الجرح النازف للسيادة العربية.


​هذا التحليل لم يرق للبعض، خاصة في الدوائر التي تراهن على التحالفات البديلة. وهنا انفجرت الردود التي تنال من الرجل وعقله، ونبشوا في أرشيف المداخلات، وتوقفوا عند مداخلته الشهيرة في ملتقى أبو ظبي الاستراتيجي عام 2019. 

حينها، وبدلًا من الانخراط في الابتسام الدبلوماسي البارد تجاه مصطلح القرن الخليجي، سأل موسى سؤاله الصادم والوجودي: الخليج دوره إيه غير إنه يشتري السلاح؟.


​لم يكن هذا السؤال هجومًا، بل كان اختبارًا للقوة وصرخة تنبيه. عمرو موسى، الذي شهد انهيار عواصم تاريخية كبرى -من بغداد التي سقطت تحت القصف الأمريكي، إلى دمشق التي دمرتها صراعات الأجندات والتحالفات العالمية والإقليمية، وصولًا إلى صنعاء والخرطوم- يدرك بذاكرته الممتدة أن الأمن القومي العربي كلٌ لا يتجزأ. 

 

هو يسأل عن الفعل لا عن الامتلاك، عن المشروع السياسي لا عن صفقات التسليح. وبدلًا من أن تُجيب هذه العواصم بالحجة والمنطق، ذهبت إلى "شخصنة" الخلاف، لأن السؤال كان من القوة والوضوح بحيث لا تملك معه أدوات الرد سوى التنمر أو التشويه.

 

​نحن أمام ماكينة إعلامية تريد استبدال الاشتباك الفكري بآراء موالية سابقة التجهيز، أو بـ"خفة دم"  لا تغني من الحق شيئًا. إن التشكيك في بوصلة موسى، الذي قاد مجلس حكماء إفريقيا وجاب القارة طولًا وعرضًا لحل نزاعات السودان وليبيا، هو تشكيك في الذات الوطنية قبل أن يكون نيلًا من شخصه.


​كيف لمن ينتقد نكسة ناصر ويهاجم قمع الآراء في الماضي، أن يمارس اليوم قمع الخبرة عبر الاستهزاء بعمر الرجل؟ إنها ازدواجية المعايير التي تكشف أن الصراع ليس على الديمقراطية أو التجديد، بل هو صراع بين منطق الدولة ومنطق التريند.

مدرسة الخارجية المصرية

​يمثل عمرو موسى مدرسة الخارجية المصرية في أبهى تجلياتها؛ تلك المدرسة التي تعلمت كيف تقول "لا" بلياقة ولباقة، وكيف تدافع عن المصالح الوطنية في قلب العواصف. حين واجه موسى الغطرسة الإسرائيلية في المحافل الدولية، لم يكن يفعل ذلك من قبيل العنتريات، بل كان يدرك أن الهيبة هي خط الدفاع الأول عن الأمن القومي.


​هذه الهيبة هي ما نفتقده اليوم في الكثير من الخطابات السياسية التي تتسم بالارتباك أو التبعية. ومن هنا يأتي الهجوم على موسى كمحاولة لكسر هذا النموذج، وإفهام الأجيال الجديدة أن الخبرة عبء، وأن التاريخ مجرد حكايات عواجيز لا مكان لها في عصر الذكاء الاصطناعي والسرعة.

الحكماء في زمن التيه

​إننا في أمسّ الحاجة إلى عمرو موسى، ليس لأنه يملك الحقيقة المطلقة -فالحقيقة في السياسة نسبية وحمالة أوجه- بل لأنه يملك المنهج. يملك القدرة على الربط بين أحداث الماضي وتعقيدات الحاضر. يملك الشجاعة ليقول إن الأمن القومي العربي في خطر ما لم يسترد عافيته من الداخل، بعيدًا عن الوصاية الإقليمية أو الدولية.


​إن الأمة التي لا تحترم كبارها، ولا تستشير حكماءها، هي أمة تحكم على نفسها بالضياع في دروب التيه السياسي. لا يمكن بناء مستقبل حقيقي بإنكار الماضي، ولا يمكن تجديد الفكر السياسي عبر إهانة الرموز التي صاغت وجدان المنطقة لعقود.
 

الأعمار.. والأثر

​في نهاية المطاف، ستبقى الأعمار تُقاس بالسنوات في سجلات المواليد، أما القيمة الحقيقية فتُقاس بـ"الأثر" الذي يتركه الرجل في وعي شعبه وأمته. سيبقى عمرو موسى حكيمًا يضيف قيمة مضافة لكل مائدة حوار يجلس إليها، وسيبقى تساؤله المرير عن فقه الأولويات ومصير الأمن القومي خنجرًا في خاصرة العبث الإعلامي الذي يحاول تغييب وعينا.
 

​ليس دفاعًا عن عمرو موسى الشخص، بل هو دفاع عن حقنا كأمة في أن يكون لنا كبار نعود إليهم حين تضل بنا السبل. إن احترامنا لموسى، ولجيل الخبرة، هو في جوهره احترام لأنفسنا، ولتاريخنا، ولحقنا في مستقبل لا يُصنع في غرف التنمر الإلكتروني، بل في مختبرات الفكر والاستراتيجية والكرامة الوطنية.

​إن عمرو موسى لم يذهب إلى التقاعد لأنه ببساطة يدرك أن الوطني لا يتقاعد عن هموم وطنه، وأن الحكمة لا تسقط بالتقادم. فليستمر الصخب كما يشاء، وستبقى الحقائق هي وحدها التي تكتب التاريخ في نهاية المطاف.

الجريدة الرسمية