رئيس التحرير
عصام كامل

هيكل والأسئلة الصعبة!

18 حجم الخط

 حينما أشاهد قنواتنا المحلية أو أقرأ صحفنا أتحسر على زمان كانت فيه مصر قبلة الشرق بقواها الناعمة في الفن والصحافة والأدب، فعندها سيدة الشاشة العربية وعميد الأدب العربي وصاحب نوبل في الأدب والعلوم وغيرها وغيرها.. فماذا جرى لقوانا الناعمة وكيف السبيل لاستعادتها؟!


في سياق حديثه مع لميس الحديدي على شاشة CBC، بدا الكاتب الصحفي الراحل الكبير محمد حسنين هيكل وكأنه يستعيد لحظة مصر وهي في ذروة حضورها، لا ليستدعي الماضي بوصفه حنينًا، بل ليقيس عليه مقدار ما تراجع من أدوات التأثير. 

 

لم يكن حديثه منصبًا على خصومة مع هذا الطرف أو ذاك، بقدر ما كان تشخيصًا لفكرة أبسط وأعمق: أن الدولة التي تفقد قدرتها على التأثير، تفتح المجال لغيرها كي يتقدم ويملأ الفراغ.


استعاد هيكل زمنًا كانت فيه مصر تصوغ الوعي العربي عبر مؤسساتها، مشيرًا إلى أن «الأهرام» لم تكن مجرد صحيفة، بل منصة فكرية كبرى، حتى إنها كانت تُوزع في عواصم عربية بأرقام تفوق ما توزعه صحف تلك الدول مجتمعة، وهو ما لم يكن يعكس تفوقًا مهنيًا فحسب، بل قدرة على قيادة الرأي العام وتشكيل إدراكه. ولم يكن ذلك استثناءً، بل جزءًا من منظومة أوسع، حيث كانت الكلمة المصرية -المكتوبة والمسموعة- تسبق السياسة وتؤسس لها.


وفي هذا الإطار، يمكن فهم الدور الذي لعبته إذاعة صوت العرب بوصفها المعادل الموضوعي للإعلام المكتوب الذي مثّلته «الأهرام». فإذا كانت الصحيفة تخاطب النخب وتصنع خطابًا تحليليًا عميقًا، فإن «صوت العرب» كانت تصل إلى الجماهير العريضة، عابرة للحدود، حاملة خطابًا تعبويًا وثقافيًا يرسّخ فكرة مصر ويعيد إنتاجها في الوجدان العربي. 

لم تكن مجرد إذاعة، بل أداة نفوذ حقيقية، استطاعت أن تجعل من الصوت المصري حاضرًا في كل بيت، وأن تمنح القاهرة قدرة فريدة على التأثير المباشر في الشارع العربي.


هكذا تكتمل الصورة التي يشير إليها هيكل: منظومة قوة ناعمة متماسكة، يتكامل فيها الفكر مع الإعلام، والتحليل مع التعبئة، والنخبة مع الجمهور. لكن هذا التماسك، في تقديره، لم يعد قائمًا كما كان، ليس لأن الآخرين أصبحوا أقوى بالضرورة، بل لأن مصر لم تعد تستثمر في أدواتها بنفس الكفاءة، ففقدت تدريجيًا قدرتها على ملء الفراغ، وتركته لغيرها.


ومن هنا، يرفض هيكل الانشغال بالمقارنات الصغيرة أو تضخيم أدوار دول محدودة، معتبرًا أن الدول لا تُلام على سعيها لتحقيق مصالحها، بل اللوم يقع على من يترك مساحته دون حماية أو تأثير. فالتدخل الخارجي لا ينجح إلا إذا وجد قابلية داخلية، وهذه القابلية -في رأيه- هي نتاج تراجع في الخطاب والإقناع، وفي القدرة على بناء وعي عام صلب.


ويخلص إلى أن استعادة الدور المصري لا تبدأ من الخارج، بل من الداخل، من إعادة بناء الإنسان القادر على الفهم والاختيار، ومن إعلام يستعيد ثقة الناس بدلًا من الاكتفاء برد الفعل، ومن ثقافة تعود لتكون مصدر إلهام لا مجرد صدى. فعندما تستعيد مصر أدواتها -كما كانت في زمن «الأهرام» و«صوت العرب»- لن تحتاج إلى أن تدخل في صراعات جانبية، لأن تأثيرها سيعود طبيعيًا، وستفرض حضورها دون ضجيج.


بهذا المعنى، لا تصبح القضية من ينافس مصر أو من يحاول التأثير فيها، بل كيف تعود مصر لتكون في موقع يجعلها هي من يصوغ المعادلة. فالقوة، كما يراها هيكل، ليست في القدرة على الرد، بل في القدرة على المبادرة وصناعة المعنى. وعندما تستعيد مصر هذه القدرة، لن يكون أمام الآخرين سوى أن يتكيفوا مع حضورها، لا أن يملوا عليها شروطه.

أتذكر جيدا عندما كنت في زيارة للنمسا منذ أكثر من عشرين سنة مع وفد الجمهورية لرحلة أوائل الثانوية العامة التي تنظمها الجريدة سنويا، كان هناك لقاء مع مثقفين وشخصيات سياسية وسألتهم من تعرفون من الصحفيين والإعلاميين في مصر؟  فكانت الإجابة بلا تردد: هيكل الأهرام.. رحم الله هيكل الأستاذ والجورنالجي!

الجريدة الرسمية