وزير الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي.. يدعم الأحزاب اليمينية الأوروبية المتطرفة.. يبرر مواقفه العنصرية بالتعاليم التلمودية.. تلاحقه قضايا فساد ودونالد ترامب الأب الروحي لتوجهاته السياسية
عميحاي شيكلي، في زمن تتقاطع فيه السياسة مع الأيديولوجيا، وتتشابك فيه الشعارات مع المصالح، يبرز اسم وزير الشتات الإسرائيلي الصهيوني المتطرف عميحاي شيكلي بوصفه أحد أكثر الوجوه إثارة للجدل داخل حكومة بنيامين نتنياهو، المطلوب مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال حرب الإبادة على غزة.
فخلف الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن تعزيز الهوية اليهودية ومحاربة معاداة السامية، تتكشف طبقات أعمق من التحركات السياسية التي تتجاوز حدود الدور التقليدي للمنصب، لتصل إلى إعادة تشكيل التحالفات الأيديولوجية على مستوى عالمي.
وبينما تتزايد الاتهامات الدولية بحق قادة الاحتلال، يطفو دور شيكلي على السطح باعتباره أكثر من مجرد وزير معني بشؤون الشتات؛ بل فاعل سياسي يسعى إلى توظيف هذا الملف كأداة نفوذ عابرة للحدود؛ حيث ينظر إلى تلك المهام "الرسمية" باعتبارها قناعا يخفي وراءه نشاطا إسرائيليا متواصلًا لدعم التيارات والأحزاب اليمينية في أوروبا ومناطق أخرى من العالم.
وفي هذا السياق، تبرز استضافته للناشط اليميني البريطاني المتطرف تومي روبنسون داخل "إسرائيل"، متجاهلا اعتراضات منظمات يهودية بريطانية وصفته بأنه "بلطجي يمثل الأسوأ في بريطانيا".
يستخدم شيكلي أسلوبا تصادميا كمظلة سياسية
ولد شيكلي بالقدس المحتلة في 12 سبتمبر 1981، وهو ابن حاخام ينتمي للتيار الصهيوني المتطرف، لعائلة من المهاجرين الفرنسيين. وخدم كضابط في وحدة نخبة بالجيش الإسرائيلي، وحصل على درجة الماجستير في الدبلوماسية والأمن من جامعة تل أبيب.
وتشكلت أفكاره العنصرية من خلال تعليمه الصهيوني الديني وتشكيكه في الفكر الليبرالي لمرحلة ما بعد أوسلو؛ ودفعته مهاراته كتربوي إلى تأسيس أكاديمية "تافور" للإعداد لما قبل الخدمة العسكرية في عام 2010؛ وهي أكاديمية تجمع بين التأهيل البدني، وتلقين الأفكار الصهيونية الدينية.
وأشرف شيكاي على عدة مبادرات كبرى في إطار ما يصفه بمكافحة "معاداة السامية"، ومنها "مشروع ألف باء" لتدريب التربويين اليهود في أمريكا الشمالية، وبرنامج "يونايتد" الذي يجري تنفيذه في مئات المدارس اليهودية حول العالم لتعزيز التعليم الإسرائيلي والقدرة على "مواجهة معاداة السامية".
الانضمام إلى حظيرة نتنياهو
بعد فشله في الترشح للكنيست في عام 2019 على قائمة "اليمين الجديد" بقيادة نفتالي بينيت، رفع شيكلي راية العصيان في وجه بينيت، وانضم إلى حزب الليكود في انتخابات عام 2022 التي شهدت عودة نتنياهو إلى السلطة.
وبحسب تقرير نشرته جريدة "تايمز أوف إسرائيل"، فإنه "على الرغم من مواقف شيكلي التي أدت إلى خلافات لا حصر لها مع قادة يهود في الخارج، إلا أن هذا المعلم السابق واثق تماما من أن رؤيته متجذرة من المبادئ اليهودية الأصيلة، حتى لو كانت تتعارض بشكل صارخ مع العديد من القيم التقدمية التي تتبناها بعض المجتمعات اليهودية العالمية".

وعلى شاكلة نتنياهو، لا يخلو ملف شيكلي من قضايا الفساد، حيث واجه اتهامات بإهدار المال العام إثر إنفاقه نحو 137 ألف دولار على سلسلة زيارات خارجية التقى خلالها مسؤولين بأحزاب يمينية، لا تربطهم علاقات عمل رسمية مع سلطات الاحتلال.
علاقة وثيقة بقيادات عنصرية
وعلى مدى رحلة صعوده السياسي، تبنى شيكلي أسلوبا تصادميا ضد الآخر، وكان مستعدا دائما للعب دور المستفز ما جعله أحد أكثر وزراء الحكومة الإسرائيلية إثارة للجدل إضافة إلى شخصيات عنصرية صهيونية أخرى مثل وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير ووزير المالية الصهيوني المتطرف بتسلئيل سموتريتش.
وأثار أول مؤتمر نظمه شيكلي حول مكافحة معاداة السامية جدلا كبيرا بعد أن دعا إليه أعضاء من عدة أحزاب متطرفة مرتبطة بأيديولوجيات عنصرية مثل رئيس حزب التجمع الوطني الفرنسي اليميني المتطرف جوردان بارديلا، في خطوة وصفت بأنها "شهادة توثيق" للأحزاب ذات الجذور الأيديولوجية العميقة في الفاشية والنازية وكره الأجانب؛ فضلا عن دعمه لزعيمة حزب التجمع الوطني الفرنسي اليميني ماريان لوبان في الانتخابات التشريعية الفرنسية التي جرت عام 2024 عبر إعلانه عن دعم حزب لوبان ومهاجمة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
هتافات عنصرية ضد المنتخب المصري لكرة القدم
كما يدعم بقوة زعيم حزب "فوكس" الإسباني اليميني المتطرف سانتياجو أباسكال، والذي ذكرت تقارير غير رسمية أن عناصر حزبه كانت وراء الهتافات العنصرية التي طالت العرب والمسلمين خلال مباراة كرة القدم الودية الأخيرة التي جمعت بين المنتخبين المصري والإسباني؛ حيث يعادي أباسكال العرب والمسلمين؛ ويقدم ملامح زعيم شعبوي أوروبي،، ويريد بناء جدار فاصل بين المغرب وإسبانيا، على منوال الجدار الفاصل مع المكسيك بهدف منع الهجرة غير الشرعية في مواقف عنصرية ضد سكان شمال أفريقيا".

وتربطه علاقات قوية بزعيم اليمين المتطرف في البرتغال أندريه فينتورا، والمرشح اليميني الذي خسر الانتخابات الرئاسية في تشيلي في ديسمبر 2021 وخوسيه أنطونيو كاست.
ويتخذ شيكلي من التعاليم التلمودية –وأحيانا الفلسفية- غطاء داعما لمواقفه تلك، مشددا على أن "الحركات القومية المحافظة هي الأكثر تماشيا مع الفلسفة اليهودية الأصيلة، وأن العولمة، والشيوعية، والحركات التقدمية تنكر حق الدول القومية في تقرير المصير، وتعرض المجتمعات التي تدعي حمايتها للخطر".
ترامب الأب الروحي لوزير الشتات الإسرائيلي
يرتبط شيكلي بعلاقة وثيقة بكل من مات شلاب وزوجته مرسيدس شلاب، الناشطين الجمهوريين البارزين المقربين من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ ويستلهم شيكلي توجهاته من ترامب وحركة ماجا اليمنية الأمريكية المتطرفة؛ ويتبنى خطابا يكاد يكون صورة طبق الأصل من سياسات ترامب اليمينية التي ترى انه أوروبا تواجه "محوا حضاريا"، مرددا أن "التهديد الحقيقي لليهود الأوروبيين هو الإسلام المتطرف، وليس اليمين السياسي؛ وأن إسرائيل تستهدف تشكيل معسكر واسع لمحاربة معاداة السامية القاتلة التي تأتي من الداخل؛ وأنه لا يمكن تجاهل اليسار المتطرف باعتباره أحد أشد أشكال معاداة السامية فتكا التي تواجهها إسرائيل".
يؤمن شيكلي بأن "قيام دولة فلسطينية في أراضي الضفة الغربية يعد انتحارا لإسرائيل، معتبرا أن ذلك سيؤدي إلى تكرار سيناريو غزة وقيام حماس أخرى"، ويرى أن "الحرب مع سوريا حتمية"، وأن "تركيا أكبر تهديد لإسرائيل"، وأن "الإسلام هو التهديد الرئيسي للمجتمعات اليهودية"؛ ما دفع رؤساء وأعضاء سلطات محلية عربية في إيلات لمقاطعة كلمته وإنزاله عن المنصة بعدما قال إن المجتمع العربي انتخب "داعمي إرهاب كقيادة سياسية".
يستهدف شيكلي خلق مجتمعات غربية أكثر دموية واستقطابا
كما اعتاد شيكلي مهاجمة قادة غربيين؛ حيث هاجم عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني واصفا إياه بـ"المؤيد لحماس، والداعي إلى هجرة الجالية اليهودية من المدينة"؛ ورئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي لتصريحاته التي أكد فيها أن "الهجوم الذي استهدف حفلا لعيد الأنوار (حانوكا) في 14 ديسمبر 2025، وقع بسبب عدم كفاية الرقابة على الأسلحة أو خطاب الكراهية".

خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة والتي اندلعت في 7 أكتوبر 2023، لعب شيكلي على صورة اليهودي المضطهد، وأدت وزارته دورا مركزيا في إرسال وفود من عائلات السجناء الإسرائيلين إلى الخارج لحشد الدعم الدولي لتبييض صورة "إسرائيل" الملطخة بلون الدم، بما يخدم أجندات صهيونية أوسع، تتجاوز حدود "الشتات" إلى التأثير في موازين القوى داخل المجتمعات الغربية نفسها، وتفتح الباب أمام تحالفات عابرة للحدود قد تحمل تداعيات تتجاوز الإقليم إلى المشهد الدولي بأسره ليصبح أكثر عنصرية ودموية واستقطابا.




