توني بلير.. تاجر الحروب يعاود إثارة الجدل.. انتقد اتهام "إسرائيل" بارتكاب جرائم إبادة بغزة.. رفض دخول زجاجات حليب الأطفال إلى القطاع المحاصر.. وبدأ حياته مغنيا في فرقة روك
في توقيت مثير للجدل، شن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير هجوما على اليسار البريطاني، مدعيا أنه بات "معاديا للسامية"، دون تقديم أي دليل يدعم هذه المزاعم.
هجوم بلير، الذي ما زال يلاحقه عار المشاركة في الحرب الأمريكية غير الشرعية في العراق، جاء خلال مقال رأي نشره على صفحات جريدة "فري برس"، المؤيدة للاحتلال الإسرائيلي، والتي أسستها باري فايس، رئيسة تحرير شبكة "سي بي إس نيوز" والمدللة الإعلامية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ وهي الجريدة التي تورطت قبل عدة أشهر في حجب تقرير ضمن برنامج "60 دقيقة"، والذي ضم شهادات فنزويليين جرى ترحيلهم إلى سجن سيء السمعة في السلفادور، قبل أن تضطر لاحقا إلى نشره بعد إجبار معدة التقرير على حذف أجزاء منه.
وزعم بلير في مقاله المنشور في 26 مارس 2026، أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يعد "إهانة للذاكرة اليهودية للهولوكوست"، في تصريحات تتعارض مع طبيعة مهامه (المفترضة) كعضو في "مجلس السلام" الذي أطلقه ترامب بشأن غزة، في تأكيد جديد على أن هذا المجلس ليس سوى "مشروع بشع ذا نزعة استعمارية جديدة يستهدف تحويل أرض دمرتها آلة الحرب الإسرائيلية إلى ساحة لمضاربة المطورين العقاريين".
وأضاف: شهدت المملكة المتحدة العام الماضي أكثر من 3700 حادثة معادية للسامية، مع زيادة حادة في الاعتداءات على اليهود والشخصيات العامة، بما في ذلك الهجوم على كنيس يهودي في مانشستر في أكتوبر 2025؛ وشهدت فرنسا وألمانيا وإسبانيا وهولندا ارتفاعات مماثلة في الهجمات والحوادث المعادية للسامية؛ وعقب كل حادث بارز، تطالعنا إدانة رسمية من القادة السياسيين؛ وعلى الرغم من أنه ليس لدي شك في صدق نواياهم، لكن كلماتهم لا تعبر عن الحقيقة.
بلير بدأ حياته مغنيا في فرقة روك
ولد بلير في 6 مايو 1953 في أسكتلندا، وفقد والده –الذي كان يعمل محاميا- النطق، ليختار بلير طريق الغناء في فرقة لفن الروك لتوفير نفقاته المعيشية، حتى تخرج في شعبة القانون بكلية سانت جون بجامعة أوكسفورد عام 1975، حيث تخصص في القانون التجاري؛ ولم يبد أي اهتمام بأنشطة سياسية قبل زواجه من المحامية البريطانية شيري بوث؛ حيث انضم إلى حزب العمال في توقيت خسر فيه الحزب أربع انتخابات متتالية في الفترة من 1979 وحتى 1992 أمام حزب المحافظين؛ وانضم بلير إلى حكومة الظل لحزب العمال، وكان أحد أبرز الأصوات المطالبة بتخفيف التركيز التقليدي على سيطرة الدولة والملكية العامة للقطاعات الاقتصادية.

وفي 1992 عين بلير وزيرا للداخلية في حكومة الظل، قبل أن يتولى رئاسة الحزب في مايو 1994 فاز بلير بنسبة بلغت 57% من الأصوات؛ قبل فوز حزب العمال بأغلبية 179 مقعدا في مجلس العموم في عام 1997؛ وفاز بولاية ثانية في انتخابات مايو 2001 بأغلبية 167 مقعدا.
لكن بدايات ولايته الثانية شهدت تراجعا في شعبيته دفعه إلى الارتماء في أحضان الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش "الابن"، متبنيا خطابه في "الحرب على الإرهاب" و"غزو العراق" والترويج لمزاعم امتلاك نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين لـ"أسلحة دمار شامل"؛ وأدى قرار بلير الداعم لغزو العراق إلى ملاحقته شعبيا؛ حيث طالب ائتلاف "أوقفوا الحرب"، وهو أكبر حركة شعبية مناهضة للحرب في المملكة المتحدة، بمحاكمة بلير باعتباره مجرم حرب، وطالبت عرائض حملت توقيع ملايين البريطانيين بسحب لقب الفروسية منه باعتباره "مسؤولا شخصيا" عن موت عدد لا يحصى من المدنيين العراقيين، وفقدان مئات من الجنود البريطانيين، وغياب آليات واضحة للاستقرار السياسي في العراق ما أدى إلى صعود الجماعات المسلحة وتدهور البنية التحتية وانتشار الفوضى على مدى 23 عاما.
دعم الحرب الإسرائيلية على لبنان طردته إلى خارج السلطة
كما شهدت ولايته الثالثة، بعد تحقيق فوز باهت في الانتخابات التي جرت في مايو 2005، تمردا كبيرا داخل حزبه بسبب موقفه الداعم لإسرائيل في حربها على لبنان، وتصاعدت الضغوط لإعلان موعد تنحيه، وبعد استقالات متتالية لعدد من الوزراء، أعلن في سبتمبر 2006 أنه سيغادر في أجل لا يتعدى عاما، وبالفعل استقال من منصبه بعد هزيمة حزب العمال في الانتخابات البرلمانية بأسكتلندا في 27 يونيو 2007 ليخلفه جوردون براون في زعامة الحزب وفي رئاسة الوزراء.
لكن المكافأة الأمريكية كانت تنتظره على الأبواب، ففي يوم استقالته اختارته اللجنة الرباعية للسلام في الشرق الأوسط (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا) مبعوثا دوليا لها؛ وعلى الرغم من مواقفه الداعمة لإسرائيل والرافضة للحق العربي في فلسطين، فقد احتفظ بلير، الذي كان أول رئيس وزراء بريطاني يعتنق المذهب الكاثوليكي الروماني، بمنصبه حتى عام 2015.
وكشفت وثائق ملياردير الجنس الأمريكي الراحل جيفري إبستين وجود علاقات وثيقة تربطه برئيس الوزراء الأسبق، حتى بعد قضائه عقوبة السجن بتهمة الإتجار في فتيات الجنس القاصرات؛ حيث يشير أبستين إلى أن "جزيرة بلير تبعد عن جزيرته بحوالي 20 دقيقة فقط"؛ مضيفا في رسالة بعث بها إلى إحدى السيدات قائلا: بلير يعرفني جيدا، ويمكنك أن تطلبي منه تناول الشاي.
ويقول أبستين في رسالة أخرى: أسعى لتمويل مشروع يشارك فيه توني بلير. لقد سبق أن التقيته في فعالية بعنوان "الموسيقى والدماغ".
اتهامات لاحقت بلير بالتربح واستغلال النفوذ
وطوال تلك السنوات، طاردته اتهامات باستغلال منصبه الرسمي مبعوثا للرباعية لفتح الأبواب أمام أعماله الاستشارية الخاصة والمربحة في الشرق الأوسط، ما جعله موضع جدل في الإعلام البريطاني والعالمي؛ حيث يشير تقرير نشرته جريدة "ذا جارديان" البريطانية في 27 يونيو 2014، إلى "مباركة" بلير غير المحدودة للحصار المستمر على غزة، وحرمان المدنيين من الغذاء والذي ينظر إليه باعتباره "جريمة حرب بغض النظر عن أي حجج تسعى إلى تبريره"، ودعمه لعدم توفير "زجاجات حليب لأطفال غزة"، وحجب "محاقن لتطعيم الأطفال"، والمكونات الحيوية لأنظمة المياه والصرف الصحي، متبنيا مزاعم "إسرائيل" حول "المخاوف من الاستخدام المزدوج" لتلك الأشياء!

يقول دويل: كان يتعين على توني بلير الاختيار بين دوره كمبعوث في اللجنة الرباعية إلى أحد أخطر الصراعات على وجه الأرض، ودوره الإعلامي المتنامي في الضغط من أجل التدخل في العراق وسوريا، ومصالحه التجارية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الشرق الأوسط. لقد أدت هذه الأدوار المتضاربة إلى سقوط بلير في دائرة تضارب المصالح؛ حيث دعم صفقات بيع الأسلحة لأنطمة قمعية، وأغلق تحقيقا في قضايا فساد مرتبط بتلك الصفقات؛ وتلقى معهده المعروف باسم "معهد توني بلير للتغيير العالمي" ملايين الدولارات مقابل غلق ملفات تلك القضايا.
جهوده فجة لإرضاء الإسرائيليين
كما اتهمه القيادي الفلسطيني نبيل شعث في نزاهته، وقال إنه "لم يحقق سوى القليل جدا بسبب جهوده الفجة لإرضاء الإسرائيليين؛ فيما انتقده رئيس مجلس التفاهم العربي البريطاني كريس دويل بشدة، مشيرا إلى أنه "لم يجرؤ أبدا على التحدث علنا ضد الاحتلال الإسرائيلي"، بينما وصفت بعض مقترحاته بأنها "تدعو إلى نهج شبيه بالفصل العنصري في التعامل مع الضفة الغربية المحتلة"، مدعوما بـ"صحيفة سوابق" جعلته منه "تاجرا للحروب".
- الفيديو المرفق يستعرض عودة رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير إلى مشهد الشرق الأوسط من خلال عضويته في مجلس السلام الذي شكله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ ويظهر دعمه للرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش "الابن" في غزو العراق، والمظاهرات البريطانية التي خرجت لتسخر منه، وتشبهه بأنه بينوكيو الكذاب.
المصادر:
جريدة فري برس
ذا جارديان
يورونيوز




