رئيس التحرير
عصام كامل

مليون ليلي.. والله فضحتونا!

18 حجم الخط

مأساة المهندسة ليلي إبراهيم، التى نامت على الرصيف لمدة ثمانية أشهر، هي في الحقيقة مأساة كل من خرج علي المعاش، وكل من بات مهددا بقانون الايجارات جديده وقديمه.. المهندسة ليلي، 66 سنة، كانت تعمل في مفاعل أنشاص، موقع حساس جدا، تابع لهيئة الطاقة الذرية، ولما انتهت مدة خدمتها خرجت على المعاش، وكانت تسكن في شقة إيجارها 1300، وكان معاشها ثلاثة آلاف جنيه.. 

 

مهندسة ذرة معاشها فعلا ذلك المبلغ الوضيع، لكن الأشد وضاعة حقا، ليس صاحب الشقة التى أجرها للمهندسة، بل للقانون الذي صدر ليظلم، ويشرد، ويمنح أصحاب العقارات قبضة قوية على أعناق السكان. 

 

تصدر القوانين لتحمى حقوق وكرامات المواطنين لا لتجعل الشوارع بيوتهم علي المشاع.. مستندا إلي قانون أحمق طلب صاحب الشقة ايجارا يزيد سنويا بالنسبة المقررة قانونا، طلب ثلاثة آلاف جنيه، وفي رواية سبعة آلاف، لو اعطته هذا المبلغ، لن يتبقى لها جنيه واحد، إذ أنه كل معاشها، وحتى لو تدبرت امرها هذا العام، فسوف تصدمها الزيادة السنوية المتراكمة.. 

 

رفضت مهندسة الذرة مغادرة الشقة، فاستخدم المالك القوة، إذ سلط عليها البواب الذي اعتدي عليها بالضرب العنيف وطردها، وسلم للمالك مقتنياتها وأوراقها وأغلق الشقة دونها.. أهل كفر طهرمس بالجيزة راعهم في ذهابهم وإيابهم منظر سيدة مسنة مشردة، من ملامحها، عرفوا إنها ليست من المتسولات ولا المشردات أساسا، بل هي ضحية قانون غبي.. ومع البرد والرياح وعزيز قوم ذل، جاءوها بالأغطية والطعام. 

 

استمرت حالة التشرد هذه ثمانية اشهر والمهندسة تفترش أرصفة الشوارع وتلتحف العراء.. تحركت وزارة التضامن مع نشر فيديو للسيدة المسكينة، فأرسلت قوات التدخل السريع، ونقلوا المهندسة ليلي إلي مكان حكومي كريم. 

 

هذه ليلى واحدة، فكم مليون ليلي أخرى ستجد نفسها ملقاة في الشارع، وكم لدي وزارة التضامن من ملاذات رعاية، هل لديها أماكن لملايين معرضون للطرد بسبب جنون ملاك الشقق وجنون رفع البنديرة سنويا؟ 

 

الزيادة السنوية لأصحاب المعاشات لا تجاري الغلاء الفاحش، ولا جبروت الملاك الذين استغلوا قانون الدولة لإهانة مواطني الدولة، يطردون بني وطنهم لإنهم يفسحون الشقق للاجئين بمبالغ فلكية، اقلها خمسة عشر الف جنيه وأكثر.. 

 

كم ليلي أخرى وكم أحمد ومحمود وحسين آخر مصيرهم الأرصفة؟ هذه السيدة لا أهل ولا زوج ولا ولد، يعني كانت تعيش بطولها، وكان راتبها يوفر لها حياة تليق بمكانتها العلمية والاجتماعية، فلما خرجت إلي المعاش دخلت إلي اللامعاش، تجهيزا لمرحلة الاحتضار الاجتماعي، والحق إنها ألقي بها سريعا في مرحلة الانهيار، فكان الرصيف هو مكافآة خدمة البلد. 

 

قانون المعاشات المعمول به حاليا هو قاتل بكل معني الكلمة لكرامة المواطن المحال إلي الجحيم.. من العيب تدمير كرامة الطبقة المتوسطة، حين تنتهي خدمتهم، فتنتهي معها كرامتهم، ويكون الشارع حياتهم.. علي الحكومة أن تبادر بنفسها إلي إصلاح هذا القانون الأعوج، لتحفظ للناس حياءهم وتغنيهم عن العوز.. 

كما يتعين علي مجلس النواب أن يخلص الشعب المصرى من سيف المادة الثانية من قانون تفجير الصراع بين الملاك والمستإجرين في مصر، أما عن حق المالك في زيادات سنوية علي الايجار فلابد أن يقابلها زيادات علي المعاشات أعلى من تلك النسبة. 

منظر نوم مهندسة ذرة على الرصيف عرضته منصات وشاشات عربية ومصرية.. فضيحة بكل أسف، صنعها نواب مستسلمون، وافقوا علي قانون طرد وتغليظ الايجارات. فضحتونا حقا فضحتونا.

الجريدة الرسمية