رئيس التحرير
عصام كامل

الخروج من عنق الزجاجة!

18 حجم الخط

يثار تساؤل مشروع في الأوساط الاقتصادية والسياسية في مصر حول ما إذا كان إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام يمثل خطوة تنظيمية لإعادة هيكلة إدارة الشركات التابعة للدولة، أم أنه يمهد لمسار أوسع قد ينتهي ببيع هذه الشركات أو تصفية ما تبقى من القطاع العام لتوفير موارد تستخدم في سداد الديون.

 

هذا القلق يتقاطع مع ما طرحه النائب عاطف المغاوري خلال حديثه مع الإعلامية قصواء الخلالي، حين أكد أن استمرار الاعتماد على الاقتراض يمثل نزيفًا دائمًا للموازنة العامة، لأن خدمة الدين الداخلي والخارجي تلتهم النصيب الأكبر من الموارد، فلا يتبقى ما يكفي لتمويل الاستثمار أو دعم مسارات التنمية الحقيقية. 

فالدولة، كما الإنسان، لا تستطيع أن تبني مستقبلها إذا ظلت تدير حياتها بمنطق الاستدانة المستمرة دون أن تعيد تنظيم قدراتها الإنتاجية ومصادر دخلها.

 

الاعتماد المفرط على الاستثمار الخارجي يظل خيارًا محفوفًا بالمخاطر، لأن تدفقات رأس المال الأجنبي لا تتحرك فقط وفق القوانين والحوافز، بل تخضع لتوازنات سياسية واقتصادية دولية معقدة، خاصة في منطقة إقليمية مضطربة. 

والتجارب الاقتصادية تشير إلى أن الاستثمار الأجنبي لا يتجه عادة إلى دولة تفتقد قاعدة استثمار محلي قوية، فالمستثمر الخارجي يبحث أولًا عن اقتصاد يمتلك قدرة ذاتية على النمو ويجد فيه شريكًا وطنيًا قادرًا على الإنتاج والمنافسة.

 

في المقابل، يتزايد الجدل حول سياسات الاستحواذ وبيع الأصول، خصوصًا في صفقات كبرى مثل مشروع رأس الحكمة، حيث يتساءل كثيرون عن مصير العوائد المتحققة منها، وهل استخدمت في بناء طاقات إنتاجية جديدة أم ذهبت في معظمها لسداد الالتزامات المالية وخدمة الدين، وهو ما يثير مخاوف من أن تتحول هذه السياسة إلى معالجة مالية قصيرة الأجل لا تعالج جذور الأزمة الاقتصادية.

 

وفي ظل المتغيرات العالمية، حيث يشهد الدولار تقلبات في قيمته بينما تحافظ المعادن النفيسة وعلى رأسها الذهب على مكانتها كمخزن للقيمة، يظل المواطن يتساءل عن انعكاس هذه التحولات على حياته اليومية، خاصة في السلع الأساسية المرتبطة بالعملة الأجنبية مثل القمح والدواء. 

فالسؤال الذي يتردد في الشارع الاقتصادي ليس متعلقًا فقط بحركة الأسواق العالمية، بل بمدى قدرة الاقتصاد المحلي على امتصاص هذه المتغيرات وتحويلها إلى استقرار فعلي في أسعار السلع والخدمات.

 

تتجه الأنظار أيضًا إلى المصانع التي أنشأتها الدولة عبر عقود طويلة، بوصفها ثروة إنتاجية يمكن أن تكون ركيزة أساسية للخروج من الأزمة إذا أُعيد تشغيلها وتطويرها وفق أسس اقتصادية حديثة، بدلًا من النظر إليها باعتبارها عبئًا ماليًا يجب التخلص منه. فالدول التي نجحت في تجاوز أزماتها الاقتصادية لم تفعل ذلك عبر تصفية أصولها الإنتاجية، بل عبر إعادة هيكلتها وتحويلها إلى مصادر للنمو والتشغيل والتصدير.

 

المعضلة الحقيقية ليست في وجود الدين ذاته، بل في تحوله إلى نمط دائم لإدارة الاقتصاد. فالدين يمكن أن يكون أداة للتنمية إذا وُجه إلى مشروعات إنتاجية تخلق قيمة مضافة وتولد عائدًا يغطي تكلفته، لكنه يصبح عبئًا حين يستخدم لتغطية عجز متكرر أو تمويل استهلاك لا ينتج ثروة حقيقية.

ومن هنا تتجدد المطالبة بفكر اقتصادي مختلف لا يكتفي بإدارة الأزمة، بل يسعى إلى الخروج منها عبر بناء قاعدة إنتاجية قادرة على تحقيق الاكتفاء النسبي وزيادة القدرة التصديرية.

الطموح الشعبي لم يعد يقتصر على البحث عن حلول مؤقتة للأزمات المالية، بل يتجه نحو رؤية اقتصادية تفتح آفاقًا جديدة للتنمية وتضع الاستثمار الوطني في صدارة الأولويات، باعتباره الركيزة التي يمكن أن تجذب الاستثمار الأجنبي كشريك في النمو وليس كبديل عنه. 

فالمواطن الذي طال انتظاره للخروج من عنق الزجاجة الاقتصادية لم يعد يبحث عن وعود جديدة، بل عن سياسات تخلق فرص عمل حقيقية وتعيد التوازن إلى الاقتصاد وتمنحه القدرة على استعادة عافيته بصورة مستدامة.

الجريدة الرسمية