الأرتيست
يعود العرض المسرحي الأرتيست في موسم مسرحي جديد على خشبة مسرح مركز الهناجر بدار الأوبرا المصرية والذي يستمر حتى الخامس عشر من فبراير الجاري.
"عيني علينا يا أهل الفن" بهذا المونولوج الساخر يبدأ العرض المسرحي الأرتيست، ولم يكن اختياره محض صدفة، بل جاء حاملا لروح العرض وهدفه الجوهري في ترجمة معاناة أهل الفن، وبخاصة الفنانات، أمام نظرة اجتماعية قاسية لا تزال تحاصر المهنة بالوصم والرفض.
وإن بدا العرض في ظاهره متكئا على جزء من السيرة الذاتية والفنية للفنانة السكندرية خفيفة الظل زينات صدقي، فإنه في عمقه يفتح ملفا اجتماعيا نفسيا أكثر اتساعا، يتجاوز الفرد إلى الجماعة.
استطاع المؤلف والمخرج محمد زكي أن ينقل هذه المعاناة المركبة عبر ربط ذكي بين الحاضر والماضي، لنجد أنفسنا أمام عرض معاصر في طرحه، واقعي في دلالاته، يُجسّد أزمة الفنان مع الأسرة المصرية، ورفضها الممتد لفكرة احتراف أبنائها وبناتها العمل بالفن.
يبدأ العرض بلوحة درامية ناعمة تجمع بين شاب وفتاة يتبادلان الحديث عن الطموح وأحلام الشهرة والنجومية، في حوار كوميدي رومانسي خفيف، لا يخلو من البراءة، ثم تنتقل الأحداث إلى قلب المسرح، حيث تجلس بطلة العرض في تجسيد متقن لشخصية زينات صدقي، تستمع إلى أنغام أم كلثوم، محاولة استدعاء الماضي وذكرياته..
ومن هنا تبدأ الرحلة الدرامية مع مكالمة من رئيس الجمهورية تُبلغها بقرار تكريمها في عيد الفن، لتتشكل عقدة العرض الأساسية وهى عجز الفنانة عن امتلاك فستان تحضر به حفل التكريم، في إسقاط واضح على تدهور أوضاع الفنان المادية بعد انحسار الأضواء وتقدم العمر.
وظف العرض رمزية الفستان باحتراف شديد، إذ جاءت الأزياء كوسيط سردي بصري يوازي الحدث الدرامي من تصميم أميرة صابر ومحمد ريان.
ارتدت البطلة طبقات من الفساتين فوق بعضها البعض، ومع كل مشهد كانت تنتقل من فستان إلى آخر، معلنة بداية مرحلة أو نهايتها، حتى تصل في المشهد الأخير إلى التخلي عن هذه الطبقات، واستبدالها بتنورة وقميص نسائي رقيق، في دلالة واضحة على التحرر من أثقال الماضي والقيود التي كبلت رحلتها.
في عمق المسرح، نجح مهندس الديكور فادي فوكيه في تحويل مركز الخشبة إلى بؤرة للأحداث، عبر خزانة ملابس الفنانة التي اتخذت موقع القلب، محاطة ببوابات زمنية متغيرة تنطلق منها الأحداث بين الماضي والحاضر، جاءت الخزانة كبلورة سحرية تطل على عالم الفنانة الداخلي، وتنتقل بسلاسة بين الأزمنة، وهو ما تعاملت معه بطلة العرض هايدي عبد الخالق بوعي أدائي ناضج، قائم على البساطة دون افتعال أو مبالغة، مدعومة بإضاءة دقيقة وموحية لأبي بكر الشريف.
وعلى مستوى البناء الدرامي، نسج محمد زكي خطا تخييليا مؤثرا بإضافة شخصية الأخ الأصغر، الشريك في الحلم الفني، ليقدم من خلاله إسقاطا اجتماعيا بالغ الذكاء، ففي مشهد مركزي استخدم فيه تقنية المونتاج المسرحي، تتجاور صفعتان متطابقتان، الأولى من الأب للأخ دفاعا عن حق زينات في الفن، والثانية من الأخ نفسه لابنه دفاعا عن عمته، بعد أن تغير موقفه منها، جاء التوازي الزمني والدرامي بين الصفعتين كاشفا لدائرة القهر التي تعيد إنتاج ذاتها.
وفي مشهد تتداخل فيه صلابة المشاعر مع نعومتها، يصل الأخ إلى مواجهة داخلية تنتهي بالاحتواء والدعم، ليختتم العرض برسالة مباشرة من الفنانة عبر شاشة التلفاز، موجهة للأسرة والمجتمع، تؤكد فيها أنها رغم كل ما واجهته استطاعت أن تبني نفسها، وتصبح أيقونة من أيقونات السينما الضاحكة، تاركة بصمة لا تُقلد.
أبدعت هايدي عبد الخالق في تجسيد شخصية زينات صدقي، فكانت حجر الأساس للعرض، وشاركتها التألق بسمة ماهر في دور الصديقة الداعمة، بينما أضافت باقي الشخصيات من أبناء الأخ مارتينا هاني ومحمود الغندور، والخادمة صباح اللطيفة ريم مدحت، والخياط فاسيلي بخفة دم ومونولوج ضاحك لاسماعيل ياسين قدمه أحمد الجوهري، وحارس العقار عزيز عناني، الجميع أضاف نكهة إنسانية خفيفة الظل. كما قدّم الفنان ياسر أبو العينين أداء واقعيا صادقا في دور الأب.
وكما بدأ العرض بمونولوج “عيني علينا يا أهل الفن”، اختُتم به، لتظل رسالته مفتوحة من الماضي إلى الحاضر، شاهدة على معركة الفن المستمرة مع المجتمع.
