رئيس التحرير
عصام كامل

حنين الـ 3 وجبات

18 حجم الخط

واجه المصريون أكبر تحدٍ معيشي خلال العقد الأخير، وبزغت مظاهر وأنماط سلوكية لم تكن موجودة من قبل، وكذلك مظاهر اجتماعية تتمثل في إحساس الكثيرين بالوحدة الموحشة كنتيجة طبيعية للتقوقع وعدم الحركة لأن الحركة لم تعد بَرَكَة كما في السابق، بل أصبحت ذات تكلفة باهظة.

 

لا توجد أسرة ولا فرد في مصر إلا واكتسب خلال السنوات العشر الأخيرة ثقافة ترشيد الاستهلاك، تضاعف الأسعار بين 5 و10 مرات، أجبر الناس على اللجوء إلى التقشف في كل شيىء وليس في الأكل والشرب فقط.

 

إمتد الأمر إلى الرفاهيات والخروجات والنزهات، بل إلى العلاج والدواء، البعض خفض استهلاكه للضروريات إلى النصف، صارت ثقافة الـ 3 وجبات أو ما يسمى إفطار وغداء وعشاء نوعًا من الذكريات، بل سيصبح هذا السلوك الغذائي نوعًا من النوستاليجيا أو الحنين للماضي.


البعض أصبح -كما يقولون- يقضي عشاءه نوم، والبعض الآخر خفض كمية طعامه للنصف بهدف تقليص النفقات.
ويحضرني هنا حديث رجل مقتدر (سابقًا) في حفل زفاف أحد الأقارب، ظل يحلف بالله أنه أصبح يقسم ربع الفرخة إلى نصفين ويأكل نصف ربعها في الوجبة بعدما كان يأكل ربعها كاملًا طول عمره، ليوفرها لليوم التالي.. 

وأكد أنه يكذب على زوجته ويوهمها أنه شبع، بينما الحقيقة أنه يقوم من على الأكل وهو جائع، وأضاف أنه أصبح يتناول نصف كميات الطعام التي كان يأكلها بعدما أصبح عاجزًا عن توفير نفقات أسرته بسبب الغلاء المسعور.


البعض اكتشف أن في التقشف إفادة وهى تخفيض الوزن وتجنب أمراض السمنة والوزن الزائد.. لي صديق بدأ مؤخرًا يتناول وجبة في اليوم طوعيًا، وبدأت أنا شخصيا أكتسب منه هذه الثقافة..


من تداعيات ارتفاع الأسعار في مصر إحجام الشباب عن الزواج وارتفاع نسب الطلاق بفعل الضغوط الاقتصادية، بعدما لامس سعر جرام الذهب 7 آلاف جنيه، ووصلت أرقام الشقق إلى بضعة ملايين، فلا طاقة لأي شاب بتكالف الزواج المليونية حتى كانت بالتقسيط، فلو أمضى عمره كله في تسديد ثمنها لن يستطيع.

 

في آخر 10 سنوات وتحديدًا منذ أول تعويم للجنيه في نوفمبر 2016 وجد المصريون أنفسهم أمام معادلة معقدة وهى: كيف تعيش مستورًا بعدما صار الراتب أو الدخل لا يكفي لتغطية نفقات الأكل والشرب فقط وليس أي بنود أخرى؟


أحد أدوات هذه المعادلة أن أحد لم يعد يشتري ملابس جديدة، بل صار هناك إعادة اكتشاف للقديمة والمركونة والمنسية والمهملة، وصار هناك إقبال كبير على ترزية الملابس ليس من أجل حياكة الجديدة، بل من أجل "تظبيط" القديمة، الواسعة منها والضيقة لإعادة ارتدائها، يحدث هذا مع كل أفراد الأسرة وليس مع الكبار فقط.

 

كثيرون أهملوا صحتهم وأسقطوا بند الفحص الدوري بعدما وصلت فيزيتا الكشف في بعض العيادات إلى 1000 جنيه، وأصبحت تكلفة إجراء التحاليل والأشعة التي يطلبها كل الأطباء بلا استثناء لا يكفيها نصف الراتب في المرة الواحدة.


بعض المؤسسات والشركات الخاصة قررت إعفاء موظفيها من الحضور اليومي ومنحتهم فرصة العمل "أون لاين" من منازلهم، لقناعتها بأن نصف الراتب الذي تمنحه لهم سيضيع في نفقات انتقالهم يوميا من وإلى أعمالهم أولًا، وقد يذهب النصف الآخر في الشاي والقهوة والسندوتشات وغيرها من مستلزمات التواجد بمقر العمل، ولتوفير تبعات ونفقات الدوام اليومي لهم من الكهرباء والغاز والمياه في مقراتها ثانيًا.


آخرون وأنا منهم أسقطوا مثلًا بند مكواة الملابس وتنظيف السجاد من الميزانية وصاروا يقومون بالمهمة بأنفسهم. البعض قاطع المطاعم رافعًا شعار صحتي أهم، وتخلى تماما عن شراء الأكل من الخارج وصار يعتمد على الطعام المعد منزليًا، بعد أن باتت لا تكفي تكلفة الاعتماد عليها يوميا مرتب الشهر.


لقاءات الأحبة على المقاهي الشعبية أصبحت نادرة بعدما صارت فاتورة استضافة 4 أصدقاء فقط تتجاوز 300 جنيه، ووصل سعر فنجان القهوة إلى 30 جنيهًا والشاي إلى 15 جنيهًا والعصائر إلى 50 جنيه..


وما يقال عن المقاهي ينطبق على العزومات والزيارات المتبادلة حتى بين الأخوة والأقارب والأصدقاء، لا طاقة لأحد بنفقاتها التى قد تصل إلى أرقام ألفية.


الناس قلصت حركة تنقلاتها لتوفير نفقات المواصلات بعدما صاروا يدفعون 25 جنيها في نفس المواصلة التي كانت بـ 4 جنيهات فيما يشبه العزلة الاختيارية، وكثيرون تخلصوا من سياراتهم بالبيع بعد أن اكتشفوا أنها تحتاج ميزانية مستقلة تشمل تجديد الرخصة – متوسط 10 آلاف كل 3 سنوات – وتغيير الكاوتشات كل 4 سنوات – متوسط 10 آلاف أيضًا- وكذلك تغيير البطارية والزيوت والصيانة والحوادث وغيرها الكثير.

هذه بعض -وليس كل- أدبيات وتداعيات الغلاء في مصر، وبها الكثير من الحكي والتفاصيل وتعكس صبر واحتمال هذا الشعب ومرونته في تجاوز كل الصعاب الاقتصادية. 

الجريدة الرسمية