رئيس التحرير
عصام كامل

الإسكندرية من عروس البحر المتوسط إلى مشروع ثقافي وسياحي

18 حجم الخط

الإسكندرية، تلك المدينة التي أسسها الإسكندر الأكبر قبل أكثر من 2300 عام، ظلت عبر القرون حاضنة للثقافة والمعرفة والتعددية، ومنارة حضارية وقِبلة للعلم والفنون واللقاء بين الأمم. كانت المدينة، منذ العصر البطلمي، موطنًا لأشهر مكتبات العالم القديم، ونقطة التقاء القارات، ومسرحًا لتلاقح الحضارات المصرية واليونانية والرومانية والشرقية والأوروبية.


وقد امتد هذا التراث ليمنح الإسكندرية طابعًا حضاريًا فريدًا، يظهر في هندستها المعمارية، وتنوع أحيائها، ومقاهيها التي احتضنت مفكرين وأدباء وفنانين، وجاليات تركت بصماتها في الثقافة اليومية. كان كورنيش الإسكندرية ومرافئها وشواطئها مزارًا للمصريين والأجانب على حد سواء، بهدوء البحر وجماله الذي يلامس الروح.


الواقع الحالي.. إمكانات كبيرة وتحديات حقيقية

لا يزال لسكان الإسكندرية -التي يقدر عددهم بنحو 5.8 مليون نسمة- حضور يومي في حياة مصر الاقتصادية والاجتماعية، كما تحتفظ المدينة بواجهتها البحرية الممتدة على البحر الأبيض المتوسط، التي تمثل أحد أهم مواردها الطبيعية.  


مع ذلك، تواجه المدينة اليوم عددًا من التحديات التي أثرت على جاذبيتها السياحية مقارنة بماضيها المشرق، على النحو التالي:
القدرة الفندقية المتاحة مقابل الاحتياج الفعلي
تشير بيانات قطاع الفنادق في الإسكندرية إلى وجود أكثر من 320 منشأة فندقية تعمل في المحافظة حتى عام 2025، موزعة بين درجات نجومية مختلفة، منها حوالي:
• 134 فندقًا بخمس نجوم
• 89 فندقًا بأربع نجوم
• 22 فندقًا بثلاث نجوم
• بالإضافة إلى فنادق بدرجات أقل
(بحسب مصدر بيانات تجارية محدثة لعام 2025).  


هذه الفعاليات توفر بالتقريب عددًا محدودًا من الغرف الفندقية مقارنة بحجم المدينة وإمكاناتها السياحية، وهو ما يعد أقل من المطلوب لاستيعاب تدفقات الزوار خصوصًا في فترات الذروة.


في المقابل، تعمل الدولة على تعزيز القطاع الفندقي وتحفيز الاستثمار فيه، ضمن أهداف استراتيجية سياحية وطنية تسعى إلى استقبال 30 مليون سائح سنويًا بحلول 2030، مع توسعات في الفنادق في مدن كالإسكندرية ومنتجعاتها الساحلية.  

  
إشغالات فندقية متفاوتة

تشهد الإسكندرية في مواسم الذروة ارتفاعًا ملحوظًا في نسب الإشغال الفندقي، حيث وصلت معدلات الإشغال خلال إجازات الصيف إلى نحو 70–80%، وفي بعض المناسبات الخاصة إلى ما يقرب من 90–95% في المنشآت السياحية.  


ومع ذلك، فإن هذه النسب لا تزال غير كافية لتعزيز تنافسية المدينة على مدار العام مقارنة بوجهات سياحية أخرى.


الفرص التاريخية والجمالية

تمتلك الإسكندرية مقومات سياحية وتراثية وثقافية تستحق الاستثمار الفعلي، منها:
• التراث الحضاري العريق الذي يمتد من العصور القديمة إلى العصر الحديث.
• الواجهة البحرية الممتدة التي تؤهلها لتكون وجهة سياحية طول العام، وليس موسمًا محدودًا فقط.
• الذاكرة الثقافية والاجتماعية للجاليات التي عاشت في المدينة، والتي يمكن أن تكون محركًا لسياحة الحنين والزيارات المتكررة.


اقتراحات لتعزيز المكانة السياحية

من أجل عودة الإسكندرية إلى ما كانت عليه من بريق وجذب عالمي، يجب وضع خطة متكاملة تشمل:
1. توسيع الطاقة الفندقية بشكل مستدام، وتحفيز الاستثمار في إقامة فنادق راقية ومنتجعات تستفيد من الإطلالة البحرية، إضافة إلى تشجيع المشروعات الصغيرة للفنادق التراثية داخل الأحياء التاريخية.
2. تطوير البنية التحتية للخدمات الحضرية لتحسين النظافة والنظام العام، وتسهيل الحركة المرورية داخل المدينة.


3. إعادة إحياء التراث العمراني والثقافي عبر مشاريع ترميم وتطوير وسط المدينة، وربطها بمسارات سياحية معاصرة.
4. تنشيط الفعاليات الثقافية والفنية الدولية لجذب شرائح سياحية متنوعة وإطالة مدة الإقامة.
5. الاستثمار في العلامات السياحية الحديثة بما يعزز تجربة الزائر ويحقق تنافسية عالمية.

الإسكندرية، بما تمتلكه من تاريخ وجمال طبيعي وموقع استراتيجي، لا تزال تمتلك المقومات الأساسية لتكون واحدة من أبرز وجهات السياحة في البحر الأبيض المتوسط. ومع ذلك، فإن تحقيق هذا الطموح يتطلب تضافر الجهود بين الدولة والقطاع الخاص لوضع رؤية تطويرية متكاملة تضمن زيادة الطاقة الفندقية، وتحسين الخدمات، وإعادة إحياء الهوية الجمالية التي طالما ميّزت المدينة في ذاكرة الشعوب.

الجريدة الرسمية