فيه هدى وشفاء (9)
عزيزي القارئ لازال الحديث عن آفة البخل وهي من أوصاف النفس الأمارة بالسوء، وهي من الآفات المهلكة إن لم يتداوى صاحبها منها، وتقود صاحبها إلى النار، ولخطورتها شدد الحق عز وجل في التحذير والتخويف منها بالذم والنهي، وبين سبحانه عقوبة من يموت عليها، وكم حذر سبحانه من الإعتلال بها والموت عليها، ولقد ذكرنا في المقال السابق بعض آيات التحذير والنهي والتخويف..
هذا وكم حذر الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله أيضا من هذه الآفة الخطيرة في أحايث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "إتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم وإستحلوا محارمهم".. وقوله ترغيبا في الكرم والجود والسخاء وتحذيرا من البخل والشح والإمساك: "الكريم حبيب الله، حبيب رسوله، حبيب خلقه قريب من الجنة بعيد عن النار، والبخيل عدو الله عدو رسوله عدو خلقه قريب من النار بعيد عن الجنة".
وقوله عليه الصلاة والسلام "خصلتان لا تجتمعان في مؤمن، البخل، وسوء الخلق".. وقوله "ثلاث مهلكات، فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه".
هذا وكم من الآيات القرآنية التي حث الحق عز وجل فيها عباده المؤمنين على الكرم والجود والسخاء والإنفاق في سبيله وأثنى على أهل الكرم والجود وخاصة أهل الإيثار منهم، وهم الذين ينفقون مع الحاجة، من ذلك قوله تعالى “وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ” والخصاصة هي العوز والإحتياج.
هذا ومن عظيم فضل الله تعالى على عباده أهل الكرم والجود أدخلهم في دائرة عباده الأبرار أهل البر والمعروف والإحسان.. يقول سبحانه وتعالى وصفا لحالهم ولما يجدونه فيه في الآخرة من مظاهر الفضل والتكريم والعطاء الإلهي، يقول سبحانه وتعالى:
“إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا”.. إلى آخر ما ذكره الحق سبحانه في سورة الإنسان من الخصوصية في الفضل والعطاء الإلهي.
