رئيس التحرير
عصام كامل

في رحاب الحبيب.. بشرية الرسول

18 حجم الخط

قصة ذات مغزى عميق، يرويها فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود، رحمه الله، في كتابه الرسول صلى الله عليه وسلم، لمحات من حياته وأنوار من هديه.. يقول الدكتور عبد الحليم محمود إنه ينقل القصة عن ابن عطاء الله السكندري، رضي الله عنه، في شرحه لقصيدة الولي الصالح، أبي مدين الغوث، حيث يقول: زار بعض السلاطين ضريح أبي يزيد، رضي الله عنه، وسأل: هل هنا أحد ممن اجتمع بأبي يزيد؟

فأشير إلى شيخ كبير في السن كان حاضرا هناك.. فقال له: هل سمعت شيئا من كلام أبي يزيد؟ فقال: نعم سمعته، قال: من زارني لا تحرقه النار.. إستغرب السلطان ذلك الكلام، فقال: كيف يقول أبو يزيد ذلك، وأبو جهل رأى النبي، صلى الله عليه وسلم، وتحرقه النار؟

فقال الشيخ المسنُّ للسلطان: أبو جهل لم يرَ النبي، صلى الله عليه وسلم، إنما رأى يتيم أبي طالب، ولو رآه كنبي لم تحرقه النار.


ففهم السلطان كلامه وأعجبه هذا الجواب منه، أي أنه لم يره بالتعظيم والإكرام والأسوة، واعتقاد أنه رسول الله، ولو رآه بهذا المعنى لم تحرقه النار، لكنه رآه باحتقار، واعتقاد أنه يتيم أبي طالب، فلم تنفعه تلك الرؤية. هذه النظرة لأبي جهل هي التي نريد أن يتنزه المؤمنون عنها.


والمؤمنون، بحمد الله، لا يقيمون في هذا لا يقعون في هذا الإثم متعمدين، وإنما يتسلل هذا الإثم إلى بعض النفوس في صورة لا شعورية، عندما يركز بعضهم على بشرية الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، وكأنه لا شيء فيه غير البشرية.


كثيرون، وللأسف غالبيتهم مسلمون، هم من يصرون على التركيز على بشرية الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يرون الجانب النوراني من شخصيته، صلوات الله وتسليماته عليه، وما هم في تلك النزعة إلا متبعين لـ أبي جهل.


أبو جهل، هو زعيم تلك الطائفة، ومرشدهم الأعلى، فهم يجتهدون في التقليل من قيمة الرسول الخاتم، صلى الله عليه وسلم، ويتعمدون الحط من شأنه العظيم، وهم في ذلك كناطح صخرة يوما ليوهنا.. فما أوهن الصخر لكن أوهى قرنه الوعلُ.


الإنسان، بطبيعته، يميل إلى التركيز على بشر، أو على: يوحى إليّ، حسب قوة شعوره الديني، وضعفه، فالذي لا إيمان له لا يرى إلا البشرية، ومن ضعف إيمانه، وحبه لرسوله، صلى الله عليه وآله وسلم، يركز على البشرية.


الميزان السليم في النظرة إلى سيدنا الحبيب المصطفى، هو ما لخصه البوصيري، رحمه الله فقال: دع ما ادعته النصارى في نبيهم.. واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكمِ.
 

 

بعض من تناقشتُ معهم من المسلمين، ومنهم من يعتبرون أنفسهم مثقفين، يرون أن خاتم المرسلين، وسيد ولد آدم، صلوات الله وتسليماته عليه، هو، وأستغفر الله، رجل كلفه الله بمهمة فأداها، ومات! اللهم إنا نبرأ إليك من تلك الأفكار، ومن أولئك البشر.
يكفينا أن نتدبر الآية الكريمة "لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا". (سورة الأحزاب: الآية 21).. لنحيا في رحاب الحبيب.

الجريدة الرسمية