اللجان الشعبية «رئة الأمان» ليلًا.. شباب الأحياء يؤمنون الشوارع بالعصي.. ترحيب بين الأهالي وتعويض «مؤقت» لدور الشرطة.. القاهرة الكبرى تحظى بالنصيب الأكبر.. أبناء العشرينيات يعيدون
يتقدم شاب عشريني يغلق طريقا رئيسيا بمشاركة مجموعة في مثل عمره عند منزل الطريق الدائري القادم من ضاحية 6 أكتوبر باتجاه مناطق الهرم، طالبا بهدوء فتح حقيبة السيارة لغرض التفتيش، ضمن إجراءات تأمين المنطقة التي يقطنون بها، في إطار ما بات يعرف بـ"اللجان الشعبية".
تبدو علامات الفخر واضحة على وجوه الشباب المتحمس، نتيجة لنظرات الرضا من العابرين الذين تجاوزوا حدود الوقت المسموح به للتواجد بالشوارع، وفقا لقرار حظر التجوال الذي صدر الأربعاء الماضي على خلفية فض اعتصام أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي بمنطقتي رابعة العدوية والنهضة بالقوة.
يشير الشاب، الذي تخرج في الجامعة مؤخرا - إلى قائدي السيارات برفع ماسحات الزجاج الأمامي، كإشارة تتيح لهم العبور دون الخضوع لعمليات تفتيش أخرى في محيط المنطقة التي تضم عدة لجان شعبية، تقوم بدور الظهير المعاون لرجال القوات المسلحة والشرطة في فرض الأمن داخل مناطق سكناها.
وعلى الرغم من محدودية تواجد القوى الأمنية الرسمية على طول الطرق المؤدية إلى القاهرة الكبرى بمناطقها الشاسعة، والتي تحتوي على عدة طرق سريعة غير آهلة بالسكان أشهر طريق المحور والطريق الدائري، إلا أن تواجد مثل هذه اللجان الشعبية المتطوعة يشيع جوا من الأمان، يزيل آثار الشعور بالخوف من تلك الطرق التي تبدو موحشة.
وفيما يبدو وسيلة لحماية المناطق السكنية بالأساس من هواجس تواجد البلطجية واللصوص، الذين ربما يستغلون حالة الفراغ الليلي في ارتكاب جرائم سطو مسلح أو ترويع، يحرص شباب المناطق الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاما على التسلح بأدوات بسيطة للحماية الشخصية، لا تظهر إلا في حالات الضرورة، فالهدف كما يؤكدون هو فرض الأمن والحفاظ على حرمة الدم.
في الطريق من ضاحية 6 أكتوبر التي شهدت أعمال عنف مسلح أسفرت عن قتلى وجرحى من جانب المؤيدين للرئيس المعزول ورجال الشرطة، يبدو الطريق الذي تضيئه أنوار خافتة موحشا بسبب الالتزام بمواعيد حظر التجوال الذي يبدأ في السابعة مساء كل يوم وينتهي في السادسة صباحا، فيما تعبر بعض السيارات القليلة التي تأخر أصحابها عن موعد الحظر، وهم إما قادمون من خارج القاهرة أو من تتطلب طبيعة عملهم البقاء إلى أوقات متأخرة، خاصة العاملين بمدينة الإنتاج الإعلامي.
ورغم تلك الوحشة التي تكرسها طبيعة المرحلة العصيبة التي تمر بها مصر حاليا، وما يشيعه المغرضون من أجواء عدم الثقة وضياع الأمان، وما تبثه شاشات الفضائيات التي لا تريد خيرا بمصر من مشاهد تؤشر إلى أن مصر كلها أصبحت ساحة حرب، إلا أن أجواء الثقة الحالية بين مكونات الشعب المصرى ومن يتولى المسئولية الكبرى في الحفاظ على الأمن، يتيح قدرا لا بأس به من الأمل يكرسه تواجد شباب المناطق لغرض حفظ الأمن.
وفيما تمتد الطرق الخارجية والداخلية عشرات الكيلومترات، وهو ما يتطلب تواجدا أمنيا مكثفا، إلا أن العابر لتلك الطرق ليلا لا يجد إلا نقاط تفتيش رسمية متناثرة تفصل بينها مسافات بعيدة، ربما لنسبة الثقة العالية التي عادت بين الشعب وقواته الأمنية، نظرا للتحديات المشتركة التي فرضتها طبيعة الصراع خلال الفترة الحالية.
وخلال المرور في مناطق شهدت أحداثا ساخنة في أحياء الجيزة، تبدو آثار معارك دارت في هذه الأماكن واضحة للعيان، حيث تفاجىء العابرين كتل الحجارة المتراكمة التي جرى خلعها من أرصفة الطرق، بينما تنتشر بقايا لتلك الحجارة تؤشر إلى استخدامها في عمليات قذف متبادل، أسفرت عن سقوط ضحايا بشرية وخلفت خسائر مادية في عدد من المباني الرسمية والسكنية والمحال التجارية، التي تناثرت بقايا الزجاج المتساقط من واجهاتها على طول الشوارع.
فيما تفوح روائح الدخان الناتجة عن إشعال إطارات السيارات في عدة مناطق شهدت مواجهات مشتعلة، خاصة تلك التي تضم مباني أقسام الشرطة بشارع الهرم والتي تعرضت لهجمات مسلحة، ناهيك عن مبنى محافظة الجيزة الذي جرى إحراقه، بالإضافة إلى عدد من المحال التجارية المشهورة التي جرت محاولات لسرقتها وتدميرها.
وعلى الرغم من تلك المشاهد التي تؤشر إلى سخونة الأحداث التي شهدتها خلال ما أطلق عليه أنصار الرئيس المعزول "جمعة الغضب"، إلا أن مشاهد العنف وآثار المواجهات في منطقة نفق الهرم المؤدي إلى كوبري الجيزة، تتجاوز أي تصور يمكن أن ترسمه مخيلة العابرين لما جرى في تلك المنطقة.
وتنتشر آثار الحرائق ودخانها الخانق، فيما تتناثر بعض فوارغ طلقات الخرطوش وبقايا الألعاب النارية المستخدمة في المواجهات، بينما ينتشر السواد ليغطي الطريق الذي يبدو أنه شهد معركة حامية الوطيس، لم يوفر عناصرها أي سلاح طالته أياديهم حتى بقايا الرخام المغلف النفق الذي جرى تكسير مساحات واسعة منه لاستخدامها في عمليات الكر والفر التي لم تتوقف على مدى ساعات.
ويبدو أن سريان حظر التجوال وانتشار اللجان الشعبية، كان عاملا مؤثرا في وضع نهاية لتلك المواجهات المشتعلة التي تمتد آثارها على طول الكوبري المؤدي إلى مناطق جامعة القاهرة وشارع مراد وشارع النيل، حيث تواصل عناصر تلك اللجان في فرض هيبة خاصة لحضورها تكمل هيبة الأجهزة الأمنية التي استطاعت فرض الحظر هذه المرة بسبب وجود الظهير الشعبي الذي يكرس مبدأ حرمة الدم المصري.
وخلال الجولة التي قمت بها على مناطق الجيزة بعد منتصف الليل، حاولت العبور إلى مناطق محافظة القاهرة التي شهدت أحداثا مروعة استمرت حتى الساعات الأولى من صباح اليوم، خاصة في مناطق غمرة وميدان رمسيس، إلا أن إغلاق معظم الطرق حال دون الوصول إلى تلك المناطق، خاصة مع نصائح من الجنود المتواجدين في نقاط التفتيش بالعودة وإيثار السلامة.
وفيما كانت السيارة تطوي طريق العودة الخالي من العابرين تقريبا، لم تتوقف يدي عن العبث بمؤشر الراديو لمعرفة ما يدور في هذه الساعة الصامتة من الليل، حيث انضمت معظم الإذاعات المصرية إلى إذاعة البرنامج العام، بينما استمر إرسال محطة راديو مصر، وكان اللجوء إلى إذاعات غير مصرية ضروريا لمعرفة وجهة النظر الأخرى لما يدور، خاصة في ضوء المواقف الغربية المرتبكة من الأوضاع المصرية.
وقد أتاحت تلك الجولة الليلية فرصة رائعة للتفتيش في ذاكرة الدم التي تكونت خلال فترات عصيبة عايشتها بالعراق، فالظروف المحيطة متشابهة إلى حد كبير، وسيناريوهات المستقبل يحاول الكثيرون تأويلها إلى مصير " عرقنة مصر " أو تحول الأوضاع فيها إلى سوريا أخرى.
فها هي اللجان الشعبية تنتشر لحماية المناطق، وهذه اللجان كانت بداية لتكوين الميليشيات التي دخلت بالعراق إلى هوة الطائفية السحيقة، وها هم المنقسمون بين مناصر للرئيس المعزول يرى ما جرى انقلابا، ومناصر للتحول المدعوم من الجيش، وكل منهم يحشد المناصرين ويجيش الجيوش ويكدس الأسلحة، وينفذ الفعاليات الغاضبة التي تنتج المزيد من الضحايا.
إلا أن العبور في المناطق الداخلية لأحياء الجيزة البعيدة عن الطرق الرئيسية التي علقت بها آثار المواجهات وانتشرت بها نقاط التفتيش، جعل سقف المخاوف ينهار تقريبا من تحول مصر إلى بلد يغوص في بحار الدم والعنف مهما اشتدت الخلافات السياسية، أو ساحة معارك بين شعب واحد يكتفي غالبيته بمتابعة المأساة عبر الفضائيات، رافعا يده بالدعاء أن تنتهي تلك الحالة التي لم يعرفها على مدى تاريخه.
فالحياة الطبيعية لا تتوقف ولا تترك مجالا لخيار استمرار الصراع، فلا مكان لخيار القتل في مصر، ولا خيار بديل عن المودة، ولا نجاح لأي محاولة لتفريق الشعب، ولا حياة متوترة سوف تجد لها مكانا بين الناس المحبين للحياة الصاخبة، المدافعين عن الجار والأهل، مهما تنوعت الأنماط الاجتماعية والانتماءات السياسية أو الدينية، ومهما علا ضجيج الصراعات التي تسيل الدماء بسببها، لأن حرمة الدم المصري سوف تفرض خيارات واضحة لا تقترب بأي حال من أوضاع بلدان نخر الدم خارطتها وقطع أوصالها.
