رئيس التحرير
عصام كامل

درس الجمعة.. شخصي جدا!

لقنت نفسي اليوم درسا قاسيا، عادة ألقنها دروسا قاسية، منها المباكتة، ومنها اللوم، ثم الزجر، وأزيد عليها عند الغضب الشديد موجات من السباب والتقريع والمعايرة! نعم أعاير نفسي، أي أذكرها بماضيها إن جمحت وتفرعنت، وأذكرها بأيامها السودة إن تناست.، يعنى أنا ونفسي تعودنا أن نكون في اشتباك دائم، بسبب نزوعى الفطرى للمحاسبة الذاتية لدرجة الأرق.


لماذا كل هذا؟ لأننى أول أمس الجمعة وقعت في سوء ظن عظيم، والحكاية أننى كنت توضأت وتهيأت للخروج إلى صلاة الجمعة في المسجد القريب من بيتنا، وأنا خارج من باب الشقة بالطابق الأول، كان شاب ينزل من أحد الطوابق الخمس الأعلى، وسبقنى دون أي التفات نحوى، ولا سلام ولا كلام، قلت هو حر، لكنى ناديته وأنا اقترب منه، أن دع باب العمارة مفتوحا لانه يغلق ذاتيا، فأغلق الباب غلقا دون أن يكترث لما قلت. 

أصابني غيظ، وتذكرت أن هذا الشاب فعلها من قبل، وكنت في الشارع وأقترب من باب العمارة وهو داخل إليه، فناديت أن لو سمحت اترك الباب لي مفتوحا، فلم ينظر نحوى وسارع بإغلاق باب العمارة، ولما لم يكن معي المفتاح، والجو قارص؛ فإن ضيقي اشتد واستبد!

سوء ظن

هو إذن قفلها في وجهي من قبل خارج العمارة وداخل العمارة، فلابد أن أحاسبه وأواجهه، وربما أعنفه، فخرجت بسرعة وراءه، لكنه كان أسرع خطى منى، ناديته أن يقف لأكلمه، فكنت فراغا مطلقا بالنسبة له، نسيت أنى ذاهب للصلاة وامتلأت نفسي له بالوعيد والتهديد، وهوامتلاء فارغ كالعادة، لأني سرعان ما أنطفئ.


غذ السير نحو المسجد، وأنا أيضا سرت وراءه بخطوات واسعة، وأوشكنا نصل إلى باحة المسجد الخارجية، وكان صدرى قد ثقل على بما أفعله، وملأنى استنكار لإصراري علي مساءلته أن عيب وأننا جيران وأننى في مقام والده، وفي الوقت ذاته صممت أن أواصل محاولة إيقافه !


وبينما أوشك على اللحاق به عند درجات المسجد، سمعت صوتا بداخلى يراجعني، كم أحب هذا الصوت دائما، يقول لي هب أنه أصم!


تأملت الصوت والرسالة الجوانية، لكنى واصلت لأتحقق، وهكذا أدركته وهو يضع قدمه على أولى درجات السلم إلى ساحة المسجد، فناديت هامسا تقريبا، لكنه لم يلتفت أيضا؛ فوضعت كفي بهدوء على كتفه استوقفه، فالتفت إلى وعلى وجهه ابتسامة كبيرة مشرقة متسائلة، فبهت الذي ظلم، بهت أنا.


نظر إلى طويلا وعيناه تسألني عما أريد، فى مودة وفى صفاء، وهو يهز رأسه، ولا يتكلم! فهمت على الفور الحال، وركبني خجل عارم، وابتسمت خجلا، وشاورت له أننى ظننت أنه، وشاور هو علي أذنيه.. أن لا سمع بهما!
يا ربى كم تمنيت أن تنزل بي صاعقة، أو تخسف بي الأرض!

 


كم ندمت ! ولعل هذا كله رآه على وجهى فابتسم وصافحنا وصافحته معتذرا، وطبطبت على كتفه، ودخل المسجد، ورفعت رأسي إلى السماء معتذرا عن تسرعى وسوء ظنى.. بقدر ما نقمت على ما ظننته، بقدر ما أحسست بالراحة أنى استغفرت، وأكملنا صلاتنا، وتبادلنا عند المغادرة سلاما طيبا محملا بالمودة.. لماذا نسيت قناعتي أن أحسن الظن بالله ثم بالناس خير من سوء ظن هو إثم؟!

سامحنى يا جارى الصامت …                                                                                            

الجريدة الرسمية