رئيس التحرير
عصام كامل
Advertisements
Advertisements
Advertisements
Advertisements

قصة الحوار الوطني الذي فشل!

Advertisements

قبيل السقوط بأيام قليلة كنت كعادتى اليومية أمارس عملى عندما دق جرس الهاتف، وكان المتحدث مكتب اللواء عمر سليمان عليه رحمة الله.. لحظات وكان الرجل يحادثني بضرورة حضوري في الغد صباحا مع رؤساء تحرير الصحف المعارضة والخاصة. فى اليوم التالى كنا فى الموعد المحدد.. توسط الجنرال مائدة الحوار، واستعرض الموقف في الشارع المصرى وما يحاك حولنا وضرورة إطلاق حوار وطنى لا يستثنى أحدا للخروج من المأزق.


تحدث الزملاء الكبار الراحل نبيل زكى رئيس تحرير الأهالى، والراحل عباس الطرابيلى، وعدد من الزملاء ممثلى الصحف الخاصة حول التنبيه لحوار وطني يهدف إلى تهدئة الشارع الذى ارتفعت درجة حرارته مع بداية فبراير. وعندما جاء دورى قلت دون تردد: أخشى سيادة الوزير أن تكون بمجالستنا تجالس الناس الخطأ، فكلنا مجتمعين ليس بوسعنا أن يجتمع علينا عشرة ممن فى ميدان التحرير.


وأردفت قائلا: سيادة الوزير.. المجتمعون فى ميدان التحرير كانوا خليطا من شباب غض يرغب فى وطن أكثر رحابة، ثم ما لبث أن اختلط الحابل بالنابل، وتعرفون من يدير الأمور الآن فى الميدان، وأظن أنهم من يجب أن تديروا معهم الحوار.


وقلت: لقد جرى تجريف الحياة الحزبية على مدار عقود بألاعيب من أجهزة أمنية كانت تظن أن ذلك يصب فى مصلحة النظام، والحق أنها كانت تقدم أكبر خدمة لجماعة الإخوان، والآن هم من يستغلون الميدان الآن لأنهم الأكثر تنظيما وانضباطا وتأثيرا.


لم يكن كلامى موضع ترحيب من السادة الحضور، فكلٌّ يرغب فى أن يكون له دور فى التهدئة أو الظن بأن له دورًا يحتاجه النظام فيه، بينما كنت على يقين أن ضرب الحياة الحزبية كان الهدف منه القضاء على معارضة مدنية يمكن أن تكون بديلا للنظام، ظنا منهم أن الإخوان فى النهاية يرضخون لمطالب السلطة ومطامعهم يسيرة قد لا تتجاوز حد الحصول على عدد من مقاعد البرلمان.

معارضة وطنية 


دارت الأيام دورتها، وفشل الحوار لأن الإخوان لم يرغبوا فى تفويت فرصة ظنوا أنهم على إثرها سيصلون إلى الكرسى، والحقيقة أن ظنهم لم يكن إثمًا.. كان ظنهم فى محله، ووصلوا إلى ما هو أبعد من الكراسى كلها.
 

والآن نحن بصدد جولة جديدة من الحوار الوطني في ظروف غير الظروف، ومناخ مغاير للمناخ، وأزمة تختلف عن تلك الأزمة، فهل ينجح الحوار هذه المرة؟!
أظن، وبعض الظن من حُسْن الفِطَن، أن القاعدة الذهبية التى يجب أن ينطلق منها الحوار هو حاجة النظام إلى معارضة مدنية تقوِّم من سلوكه وتسعى بالطرق السلمية إلى تداول سلمى للسلطة.


هذا التداول السلمى للسلطة هو الوعاء الحامى للوطن من عودة مخالب الجماعة الثعبانية أقوى مما كانت عليه.. هذا التداول لابد أن يكون قناعة لدى الجميع؛ لأنه الطريق الوحيد لتمكين القوى الشرعية من العمل من أجل الوطن وحمايته واستقراره.


الصندوق والإيمان بما يصل به هو بر الأمان، وهذا الصندوق لا بد أن يحظى بحماية مستقلة وإيمان مطلق أنه الطريق الوحيد للاستقرار السياسى والاقتصادى الاجتماعى. 

معارضة وطنية تشتبك مع مصالح الجماهير وتحظى بحرية فى الحركة والعمل وفق منهج وطنى خالص يستهدف مصالح الناس وهمومهم ومشكلاتهم، معبرة عن القاعدة العريضة للشارع دون تهميش أو إقصاء.


إن لم يفرز الحوار الوطني حالة من الشفافية وإخلاص النوايا وعدم الاستغلال والانتهازية فإننا سنكتب شهادة ميلاد جديدة لجماعة الإخوان وكل التيارات المنبثقة منها والمتعاونة معها. على ألا يكون الحوار فرصة للتشفى أو مكانا للغضب أو ساحة للحقد والمغالاة أو ميدانا للنيل من وطنية فريق لحساب فريق آخر، فالأصل هنا مصر، ولا شيء غير مصر.

 


نحلم بحياة ديمقراطية سليمة أطلقتها ثورة يوليو ثم أكلتها وبالت عليها ونهشت لحم الحياة الحزبية، فلم يبق إلا تيارات ظلامية تجيد العمل فى الظلام وتسعى بليل للانقضاض على الوطن. نحلم بحوار يرقى بنا ولا يسقط بمبادئنا.. حوار يسمو ولا ينتقص من وطنية أحد أو يغالى فى نقد أحد أو ينفرد برأى ورؤية ويرغب فى فرض أمر واقع على الجميع.


حوار يكون الهدف منه الإنصات دون شهوة الكلام.. حوار يضع النقاط على الحروف.. حوار يؤمن أن مصر أكبر من أن يحكمها فريق واحد.. حوار يقبل بالرأى الآخر، ويحترمه، ويجلُّه، وينصاع له إن كان فيه خير للبلاد والعباد.

Advertisements
Advertisements
الجريدة الرسمية