رئيس التحرير
عصام كامل
Advertisements
Advertisements
Advertisements
Advertisements

"الإبادة الجماعية للأرمن".. 107 أعوام شاهدة على جرائم الأتراك.. والسفير الأرمني بالقاهرة يوضح نضال بلاده

هراتشيا بولادينا،
هراتشيا بولادينا، سفير أرمينيا في القاهرة
Advertisements

107 أعوام مرت على المذابح الأرمنية التي ارتكبتها السلطنة العثمانية بين أعوام 1915 و1923 وراح ضحيتها أكثر من مليون ونصف المليون شخص.

وفي كل عام، تحيي جميع المجتمعات الأرمنية في العالم، ذكرى 1.5 مليون من الضحايا الأبرياء الذين قتلوا في الإمبراطورية العثمانية، كما يوجد نصب تذكاري على قمة “تسيتسيرناكابيرد” في يريفان، حيث يزوره مئات الآلاف من الأرمن في 24 نيسان من كل عام.

ويقول هراتشيا بولادينا، سفير أرمينيا في القاهرة، أن هناك 30 دولة اعترفت بالإبادة الجماعية للأرمن، من بينها سوريا ولبنان، كما أن مصر استضافت قبل 100 سنة ضحايا الأرمن ووفروا لهم السلام والاستقرار، مضيفًا أن الجالية الأرمنية المصرية جزء لا يتجزأ من المجتمع المصري.

وتابع السفير الأرمني، أن العلاقات الأرمنية – المصرية تشكّلت في عمق التاريخ وتطورت نتيجة الاحتكاك والتعامل المباشر بين الشعبين على مدى العصور، فعلى الأراضي المصرية لقى الأرمن الملجأ والمأوى بعد الابادة.

حقيقة الإبادة

وكشف هراتشيا بولادينا بعض الأسرار الجديدة عن تلك المذبحة، فيشير إلى أنها عملية بشعة وإرهاب لم تتعرض له أمم أخرى، وكان هدفه الأساسي محو العنصر الأرمني من الوجود وهو ما فشل فيه الأتراك، وأصبحت قضيته إحدى أهم قضايا العصر الحالي وربما في العصور القادمة.

 وخير دليل على ذلك نوايا تركيا الاستعمارية والعمليات العسكرية في ناغورني كاراباخ في سبتمبر عام 2020، حيث دعمت تركيا آذربيجان عسكريًا وسياسيًا وقامت بجلب مقاتلين مرتزقة من سورية وزجهم في الحرب ضد الشعب الأرمني في إقليم ناغورني كاراباخ.

وأكمل أن الجريمة تمتد جذورها إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومازالت مستمرة حتى يومنا هذا، حيث ان حكومة تركيا الحديثة بوصفها الوريث الشرعي للإمبراطورية العثمانية تتبنى سياسة إنكار الإبادة وتحاول بكل الوسائل المتاحة عدم تداولها وتسعى الى تزوير وتشويه الحقائق التاريخية وتقديمها للمجتمع الدولي بمرآة ملتوية ووصف الأحداث التي وقعت  كأنها حرب أهلية دارت في الإمبراطورية بين الأتراك والأرمن أبان الحرب العالمية الأولى ووقع نفس العدد من الضحايا من الجانبين.

ومن المعلوم أن الإمبراطورية العثمانية دخلت عام 1914 الحرب العالمية الأولى إلى جانب قوات المحور المتمثلة في ألمانيا والنمسا والمجر،  فكانت السلطات العثمانية تأمل بطرد روسيا من القوقاس لتوحيد الشعوب التركية في الشرق الأوسط، وكانت العقبة في تحقيق هذا المشروع ليس روسيا فقط، بل أرمينيا التي كانت منقسمةً بين دولتين - القيصرية الروسية والإمبراطورية العثمانية، واستغلت الحكومة العثمانية هذا الوضع لتنفيذ مشاريعها المعدة مسبقًا لتنفيذ عمليات الإبادة عن طريق إيجاد المبررات الكافية لمواقفها المتطرفة القادمة.
 

رجال الاتحاد والترقي
إن أحداث الحرب كانت فرصة ذهبية وفسحت المجال امام حزب "الاتحاد والترقي" الحاكم لتنفيذ مشروع "حل القضية الأرمنية" وإجهاض تطبيق الإصلاحات في الولايات الأرمنية نهائيًا، إن مواقف الأتراك الشباب أيضًا كانت ثابتة بشأن الإصلاحات، وكانوا يحاولون بكل السبل عدم تنفيذها، فكانوا يعتبرون الولايات الشرقية قلب الإمبراطورية ويدركون أن خطر الإصلاحات يهدد أمن واستقرار الدولة العثمانية.
وحسب المعطيات المتوافرة، خاصة محاضر اجتماعات الاتحاديين ومذكرات رجال الدولة وكبار الموظفين،  فالتحضيرات عمليًا بدأت في عام 1914 بعد قرار الإدارة العثمانية بشأن تجنيد الذكور الأرمن من الفئات العمرية 20 إلى 45 سنة إجباريًا، وبهذه المناسبة صدر في فبراير عام 1915 قرار أنور باشا بشأن القضاء على الجنود الأرمن ومصادرة أسلحتهم وتشغيلهم أعمالًا شاقة وقتلهم بدم بارد، وكانت هذه الخطة، حسب تقييم الخبراء  بداية عمليات السلطات العثمانية الهادفة الى تشتيت الأرمن والتي سهلت تنفيذ الإبادة فيما بعد، وبعد ذلك تم زج النساء والأطفال والعجزة في فخ الموت من دون حماية واستعداد للمقاومة وقتل معظمهم على الطرق اثناء التهجير والمشي لاسابيع وتعرضوا لأبشع الفظائع. 
 

وفي أكتوبر 1914 جرى برئاسة وزير الداخلية طلعت باشا اجتماع تم خلاله تشكيل "لجنة التنفيذ الثلاثية" بعضوية قادة حزب "الاتحاد والترقي" ناظم باشا وبهاء الدين شاكر وشكري، وأعطيت لهذه اللجنة صلاحيات واسعة وأسلحة وأموال وفُوضت للقيام بالتدابير اللازمة لتنفيذ ذلك المخطط الهمجي، وتم تشكيل فرق سميت "فرق التشكيلات المخصوصة" أو "الفرق الخاصة"، إحدى ثمرات المشروع المرعب والغير الانساني، والتي كان قوامها مجرمين محترفين أطلقوا من السجون، وأرسلت هذه الفرق الإجرامية غالبًا بقيادة اعضاء من الحزب الاتحادي إلى مناطق الأرمن، بهدف القيام بأعمال الشغب وإشعال فتيل النزاع بين الأرمن والقوميات المجاورة. 

كما أصدر طلعت باشا أوامر حاسمة وتعليمات خاصة بتهجير الأرمن وأبلغت جمعية "الاتحاد والترقي" كل فروعها في الولايات وكل الحزبيين والمفتشين والمسؤولين عن تنفيذ تلك الأوامر، متهمين الأرمن بالفساد وتقديم المساعدات للروس وقيامهم بإثارة الفوضى في شتى مناطق الإمبراطورية وإرباك حركات الجيش العثماني.


وبناءً على الضرورة التي تقتضي بالحفاظ على سلامة الجيش وعلى سلامة الأمن والهدوء في المملكة، نقرر إجلاء الأرمن من المناطق الحربية التي يقيمون فيها، إلى أماكن أخرى لا يكون الجيش فيها عرضة لحركاتهم المريبة، كما تقتضي الضرورة باتخاذ التدابير العاجلة الحاسمة لتنفيذ هذا القرار المبرم وفق الشروط المبينة ادناه.

إن الدولة تدفع بالآلاف من أبنائها إلى ميادين الحرب وهم يضحون بأرواحهم في سبيل الدفاع عن الوطن، وتنتظر من رعاياها من دون أي فرق بين أجناسهم ومذاهبهم، وأن يكون ارتباطهم بها في هذه الآونة العصيبة أوثق مما هو في أي زمن آخر، لذا فإنها تولي وضعه موضع التنفيذ أهمية خاصة.

بدأ أعضاء الحزب الحاكم والمسؤولون في السلطات التركية بعد تلقي الأوامر من الأستانة بتنفيذها مباشرة. وباشر معظم هؤلاء المعنيين القيام بمهماتهم بكل جهد حسب الأوامر والتعليمات الصادرة من الأستانة التي اتخذت في شباط عام 1915 خلال اجتماع سري للجنة المركزية لحزب "الاتحاد والترقي" بمشاركة قادة الحزب طلعت باشا وأنور باشا وبهاء الدين شاكر وناظم باشا وأحمد أوغلي.

إفناء الأرمن

 وتقرر نهائيًا خلال هذه الجلسة السرية إفناء الأرمن بالكامل، حيث وصفهم طلعت باشا بـ"الثعابين"، وأضاف ناظم باشا قائلًا: إن "الأرمن أشبه بالقرحة التي يجب أن تستأصل على يد جراح ماهر ولذلك يجب أن تكون عملية التطهير شاملة ونهائية، كما يجب ألا نترك أرمنيًا واحدًا على قيد الحياة في بلادنا، لا بل يجب أن نزيل الاسم الأرمني من الوجود". أما الصدر الأعظم سعيد حليم باشا فقال: إن "أفضل حل للمسألة الأرمنية هو استئصال الأرمن وإزالتهم من الوجود".

إن أقوال قادة الحكومة الاتحادية هذه كانت دليلًا قاطعًا على القرار النهائي لإبادة أرمن الإمبراطورية، والذي بدأ عمليًا من شهر آذار عام 1915، حيث تم بموجبه تدمير المراكز الأساسية للمقاومة الأرمنية في مدن "زيتون" و"وان". وفي الثامن من نيسان 1915 صدر مرسوم حكومي يتضمن خطة الإبادة وترتيباتها الزمنية
ووفق جدول زمني تمت بموجبه عمليات إخلاء المقاطعات الأرمنية من سكانها بكل بربرية وهمجية، وتنفيذًا للقرار المذكور في 24 نيسان عام 1915 والأيام القليلة التي تلتها تم اعتقال حوالي 800 شخص في الأستانة من النخبة المثقفة للأرمن من سياسيين ورجال دين وكتاب وشعراء وفنانين ومحامين وصحفيين واقتصاديين وأساتذة جامعيين ومديري مدارس وغيرهم، ومن بينهم أعضاء المجلس العثماني. 

بعد الاعتقالات جرى نفي المفكرين الأرمن إلى أعماق الأناضول، حيث تم قتلهم بأقصى درجات الوحشية. كما عمدت السلطات الاتحادية إلى قتل ضباط وجنود أرمن كانوا قد أدوا واجبهم بإخلاص على جبهات القوقاس.

وبالرغم من الرقابة المشددة التي فرضتها الدولة الاتحادية لمنع نشر أخبار تلك الأعمال الشنيعة والوحشية، إلا أن الأخبار قد تسربت بكل تفاصيلها الإجرامية المروعة إلى أوروبا وأمريكا، فتناقلتها الصحف العالمية ووثقتها بالصور، مما أثار موجة من الضجيج والاستغاثة والشكاوي.
 

إن أخبار المظالم الوحشية التي ارتكبت بحق الأرمن في جميع المقاطعات الأرمنية، أثارت موجة كبيرة من ثورة الرأي العام الأوروبي. وعلى أثر الهجوم الذي شنته الصحافة، بادرت دول الائتلاف الثلاثي – بريطانيا، وفرنسا وروسيا إلى توجيه العديد من المذكرات شديدة اللهجة إلى كل من الحكومة الاتحادية وألمانيا. كما وجهت الولايات المتحدة مذكرةً احتجاجية إلى الباب العالي والتي أثارت غضب طلعت باشا. إضافة إلى ذلك بعد إدراكهما مدى وحشية الجرائم والضجة العالمية التي جرت بشأنها، حملتا حليفتي الإمبراطورية العثمانية ألمانيا والنمسا على الكف عن المجازر، ولكن بعد قتل الآلاف من الأرمن الأبرياء.

ففي 24 مايو عام 1915، أي بعد شهر من بداية الإبادة الأرمنية، وجهت دول الائتلاف الثلاثي – بريطانيا وفرنسا وروسيا بيانًا إلى الإدارة العثمانية،  يطالبون فيه بوقف المذابح، وكان هذا البيان أول إدانة دولية رسمية من قبل الدول الأوروبية، والذي حذر من مغبة استمرار الظلم ضدّ الأرمن وعمليات القتل الجماعي التي يتعرضون لها، وحمل الحكومة الاتحادية المسؤولية عن تلك الجريمة النكراء.


أثار هذا البيان غضب الحكومة التركية، التي أصدرت بيانًا جوابيًا مفصلًا يرفض فيه كليًا اتهامات دول الائتلاف الثلاثي ويعتبرها كاذبة لا تطابق الحقيقة، وفي الوقت نفسه اعتبر الباب العالي مواقف الدول الأوروبية المذكورة كمؤامرة وعمل عدواني ضد الإمبراطورية.


ويتابع هراتشيا بولادينا، سفير أرمينيا في القاهرة، كما نرى أن الحكومة الاتحادية منذ البداية تبنت سياسة الرفض والإنكار للجرائم المشينة التي ارتكبتها بحق الشعب الأرمني المسالم، كأول جريمة إبادة عرقية في تاريخ البشرية. وفي ظل الصرخة العالمية ووسائل الإعلام واصلت السلطات العثمانية أعمالها الشنيعة من دون تراجع وبكل وقاحة.


هذا وخلال عام 1915 استمرت عمليات الترحيل القسري والنفي والقتل وإحراق الأملاك والنهب والسلب والاغتصاب والتذليل في جميع الولايات الأرمنية بدءًا من مرعش ووان وموش وصاصون وأرضروم وخربوط وطرابزون وسيواس ودياربكر وأنقرة والأستانة وكيليكيا وغرب الأناضول وغيرها من سائر المدن والقرى. 

فمن المعلوم أن ترحيل الأرمن من المقاطعات الأرمنية ونفيهم إلى بلاد النهرين وسورية وتشتيتهم كان يجري بذريعة حماية المدنيين والقوات العثمانية، من خيانة متوقعة من طرف الأرمن الموالين للروس. وتم تنفيذ هذه العمليات الإجرامية على مرحلتين: أولًا قتل كل الرجال الأكفاء، وثانيًا نفي الباقين ولم يكن الفصل الثاني سوى تنضيد برنامج الإبادة.

 وفي نهاية شهر يوليو عام 1915 تم ترحيل الأرمن وإبادتهم على قدم وساق، ولم يبق أحد في الولايات الأرمنية، التي كانت أوروبا تطالب السلطة العثمانية من سبعينيات القرن التاسع عشر بإجراء الإصلاحات فيها. وتمكن الاتحاديون بأفظع السبل البربرية في تصفية السكان الأرمن من أراضيهم التاريخية التي قطنوها منذ آلاف السنين.


في الحادي والثلاثين من أغسطس عام 1915 أعلن طلعت باشا بكل وقاحة: الآن لم تعد هناك مسألة أرمنية، لأن تركيا أنجزت مهمتها بشكل عام، وذلك بتجريد أرمينيا الغربية وكيليكيا والأناضول الغربي من سكانها الأرمن وبقتل معظمهم، أما ما تبقى منهم أحياء، فالقضاء عليهم أمر يسير للغاية، إذ بالإمكان إبادتهم في الصحراء شيئًا فشيئًا، وبذلك أكون قد حققت خلال ثلاثة أشهر ما حققه السلطان عبد الحميد الثاني خلال ثلاثين عامًا. 


إن المسؤولين الاتحاديين، كما رأينا، قاموا بتصريحات ودعايات متضاربة حول إبادة الأرمن كعنصر أساسي في الإمبراطورية العثمانية، فمن جهة كانوا يعلنون بكل فخر واعتزاز عن مشروعهم الهمجي بحق الأرمن، ومن جهة أخرى ينكرون الحقائق التاريخية والجرائم غير الإنسانية بحق شعب بكامله.

ويستكمل سفير أرمينيا في القاهرة، لم تكن أرمينيا العقبة الكبرى في تحقيق المشروع (البان- طوراني) فقط، خاصة بعد الانهيار التدريجي للإمبراطورية العثمانية، بل كانت أهداف الأرمن الرامية إلى حصول الاستقلال تقلق العثمانيين أكثر من ذلك. 

ويدل على ذلك شهادات إحدى الشخصيات العسكرية النمساوية، الذي كان شاهد عيان من عام 1909 وحتى نهاية الحرب على جميع قرارات ونشاطات الحكومة التركية، حيث يكتب أن شبح قيام أرمينيا الكبرى في المستقبل كان يرعب زعماء حزب "الاتحاد والترقي"، قائلًا: إن "البرابرة الاتحاديين، الذين لم يتوانوا عن ارتكاب أي جريمة، اعتبروا إبادة الشعب الأرمني الوسيلة الوحيدة للاستيلاء على المقاطعات الأرمنية الست نهائيًا، وصدّ كل التطلعات الأرمنية المستقبلية.


ويكمن أساس هذه المآساة في تبني الاتحاديين المتعصبين قومية متطرفة، وليس خيانة الأرمن كما ادعت السلطات العثمانية.

والحقيقة أن التخلص من الأرمن، كان سيجنب الحكومة التركية من التدخلات الأوروبية المستمرة وسيزيل العقبة الرئيسة بين الأتراك العثمانيين والشعوب التركية الأخرى فيما وراء القوقاس وبحر قزوين، ويمهد السبيل لملكية جديدة أمام أبطال الطورانية.

Advertisements
Advertisements
الجريدة الرسمية