رئيس التحرير
عصام كامل
Advertisements
Advertisements
Advertisements
Advertisements

الإفتاء توضح المدة الزمنية التي يجوز فيها للرجل مراجعة مطلقته لعصمته

دار الإفتاء
دار الإفتاء
Advertisements

ورد سؤال إلى دار الإفتاء يقول فيه صاحبه “ما المدة الزمنية التي يجوز فيها للمُطَلِّق مراجعة مُطَلَّقته لعصمته؟ وما كيفية حسابها؟”، وجاء رد الدار على هذا السؤال كالتالي:

العدة: من العدِّ؛ وهي أجل معين بتقدير الشارع له، يلزم المرأة عند الفرقة من النكاح، سواء أكانت الفرقة بطلاق أم بفسخ أم بوفاة زوج.


وقد شُرعت العدة لمعانٍ عدة؛ منها: استبراء الرحم، والتعبد لله تعالى بالالتزام بأحكامها، والتفجع على الفُرْقَة، ولا يحلّ للمعتدة الزواج من غير مُطلقها حتى تنقضي عدتها منه.

الحكمة من مشروعية العدة 

قال الإمام الأزهري في "تهذيب اللغة" (1/ 69، باب: العين والدال، ط. دار إحياء التراث العربي): [والعِدَّة: مصدر عَدَدْتُ الشَّيْء عَدًّا وَعِدَّةً. وَالْعِدَّةُ عِدَّة الْمَرْأَة شهورًا كَانَت أَو أَقراء أَو وضع حَمْل كَانَت حَمَلَتْهُ من الَّذِي تَعْتَدُّ مِنْهُ. يُقَال: اعْتَدَّتِ الْمَرْأَة عِدَّتَها من وَفَاة زَوجهَا وَمِنْ تطليقه إِيَّاهَا اعْتِدَادًا. وَجمع العِدَّة عِدَدٌ، وأصل ذَلِك كلِّه من العَدِّ] اهـ.

وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب" (3/ 389، ط. دار الكتاب الإسلامي): [-العدة- مدة تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها، أو للتعبد، أو لِتَفَجُّعِهَا على زوج] اهـ.

أحكام العدة 

ومن المعاني التي شرعت من أجلها العدة: إتاحة مدة من الزمن بعد الطلاق الرجعي لتوفير فرصةٍ للمراجعة بين الزوجين؛ فيملك الزوج مراجعة زوجته ما دامت عدة الطلاق باقية؛ قال تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: 1]؛ قال العلامة الكاساني في "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" (3/ 181، ط. دار الكتب العلمية): [الحاجة تَمَسُّ إلى الرجعة؛ لأن الإنسان قد يطلق امرأته ثم يندم على ذلك؛ على ما أشار الرَّبُّ سبحانه وتعالى جَلَّ جلالُهُ بقوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: 1]، فيحتاج إلى التدارك، فلو لم تثبت الرجعة لا يمكنه التدارك] اهـ.

أحوال مراجعة المرأة من طلاق رجعي

 ومراجعة المرأة من طلاقٍ رجعي لا تخرج عن ثلاثة أحوال:
- فإما أن تكون حاملًا: فانقطاع حقّ الرجعة حينئذٍ يكون بوضع الحمل، بشرط أن يكون مُسْتَبِين الخِلقة، ولو بعد الطلاق بلحظة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4].

قال العلامة الكاساني في "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" (3/ 196): [وأما عدة الحبل: فمقدارها بقية مدة الحمل؛ قَلَّتْ أو كَثُرَتْ، حتى لو ولدت بعد وجوب العدة بيوم أو أقل أو أكثر انقضت به العدة.. وشرط انقضاء هذه العدة أن يكون ما وضعت قد استَبَان خَلْقُه أو بعضُ خلقه] اهـ.

ويفهم من ذلك: أنها لو وضعت حملها غير مُسْتَبين الخِلقة لا يكون له حكم الولد ولا تنقضي به العدة؛ قال العلامة السرخسي في "المبسوط" (6/ 26، ط. دار المعرفة): [وكل سَقْطٍ لم يَسْتَبِنْ شيءٌ مِن خَلْقِهِ لا تنقضي به العدة؛ لأنه ليس له حكم الولد] اهـ.

- وإما أن تكون آيسة من المحيض: فانقطاعُ الحقّ في المراجعة حينئذٍ بتمام ثلاثة أشهر قمرية من بعد الطلاق؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: 4]، وسنّ اليأس هو السنّ الذي ينقطع رجاء المرأة فيه من نزول دم الحيض عليها في قابل الأيام، وهو عند السادة الحنفية خمسة وخمسون عامًا قمريًّا، ويشترط للحكم بالإياس في هذه السن أن ينقطع الدم عن المرأة مدة طويلة؛ وهي ستة أشهر في الأصح؛ سواء مضت هذه المدة قبل بلوغ سن الإياس أو بعده؛ قال العلامة ابن عابدين في "رد المحتار على الدر المختار" (3/ 516، ط. دار الفكر):

 [ذكر في "الحقائق" شرح "المنظومة النسفية" في باب الإمام مالك ما نصه: وعندنا ما لم تبلغ حَدَّ الإياس لا تعتد بالأشهر، وَحَدُّهُ خمسٌ وخمسون سنةً هو المختار، لكنه يُشترط لِلحُكم بالإياس في هذه المدة أن ينقطع الدم عنها مدة طويلة وهي ستة أشهر في الأصح، ثم هل يُشْتَرط أن يكون انقطاع ستة أشهر بعد مدة الإياس؟ الأصح أنه ليس بشرطٍ، حتى لو كان منقطعًا قبلَ مُدة الإياس ثُمَّ تَمت مدة الإياس وطلقها زوجها؛ يحكم بإياسها وتعتد بثلاثة أشهر، هذا هو المنصوص في "الشفاء" في الحيض، وهذه دقيقة تحفظ. اهـ. ونقل هذه العبارة وأقرها الشهاب أحمد بن يونس الشلبي في شرحه على "الكنز "عن خط العلامة باكير شارح "الكنز" غير معزية لأحد، ونقلها ط عن السيد الحموي] اهـ.

أحكام الطلاق

وهذا ما قضت به محكمة النقض في الأحوال الشخصية في الطعن رقم (39) لسنة 29ق، والطعن رقم (16) لسنة 34ق، والطعن رقم (30) لسنة 36ق.

- وإما أن تكون من ذواتِ الحيض: فينقطع حقّ الرجعة في هذه الحالة بمُرور ثلاثِ حيضاتٍ على المُطَلَّقة؛ بحيث تكون بداية أُولاها بعد الطلاق، ويُعْرَفُ ذلك بإخبار المُطَلَّقة، وذلك فيما بين ستين يومًا كحدٍّ أدنى، وعامٍ قمريٍّ كاملٍ كحدٍّ أقصى؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228].


والنساء في ذلك مؤتمناتٌ على أرحامهن؛ فالأصل أنهُنَّ مُصَدَّقاتٌ في المسائل التي لا يَطَّلع عليها إلَّا هُنَّ غالبًا، ومنها انقضاء العِدَّة؛ قال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (3/ 403): [حكم الرجعة من الصحة وعدمها مبنيٌّ على العدة من قيامها وانقضائها، وهي أمينةٌ فيها مُصَدَّقةٌ بالإخبار بالانقضاء والبقاء] اهـ.

والسبب في وضع حدٍّ لأقل فترة العدة وأكثرها راجعٌ إلى تفاوت طبيعة النساء في حيضهن وطُهرهن، وكون ذلك من الأمور التي لا يطلع عليها غيرهن ولا يعرف حقيقتها إلا منهن، مع ما يترتب على ذلك من حقوق تُستَحق أو تُمْنَع؛ كحقِ المطلِّق في المراجعة، وحقِّ الولد في النسب، وحق المطلقة في النفقة والسكنى مادامت في عدتها، وغيرها، مع احتمال ادعاءِ المرأة انتهاءَ عدتها أو بقاءَها خارج الحدَّين؛ إما على سبيل الخطأ أو الكذب.

أقل فترة العدة

فأما أقل فترة العدة:فالذي عليه المذهب الحنفي والقضاء المصري أنَّ المرأة من ذوات الحيض تُصَدَّقُ إذا أَخبَرَت برؤيتها الحيضَ ثلاث مراتٍ كوامل إذا مَضَى على طلاقها ستون يومًا؛ قال العلامة الكاساني في "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" (3/ 198): [اختُلِف في أقل ما تصدق فيه المعتدة بالأقراء: قال أبو حنيفة: أقل ما تصدق فيه الحرة ستون يومًا] اهـ. 


والقول بذلك مبنيّ على تقديرِ أنه طلقها أَوَّلَ طُهرها، وأن فترة طُهرها خمسة عشر يومًا؛ تقديرًا بأقلِّه، وأن فترة حيضتها خمسة أيام؛ وهي أوسط فترة الحيض، فبحساب أيام الطهر والحيض معًا؛ يكون مجموعهما: ستون يومًا؛ قال العلامة السرخسي في "المبسوط" (3/ 217): [أما تخريج قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى؛ فعلى ما ذكره محمد رحمه الله تعالى: يجعل كأنه طلقها من أول الطهر تحرزًا عن إيقاع الطلاق في الطهر بعد الجماع، وطهرها خمسة عشر؛ لأنه لا غاية لأكثر الطهر فيُقَدَّر بأقله، وحيضها خمسة؛ لأن من النادر أن يكون حيضها أقل أو يمتد إلى أكثر الحيض فيعتبر الوسط من ذلك وذلك خمسة، فثلاثة أطهارٍ كُلُّ طهرٍ خمسة عشرة؛ يكون خمسة وأربعين، وثلاث حِيَضٍ كُلُّ حيضة خمسة؛ يكون خمسة عشر، فذلك ستون يومًا] اهـ.

مواد العدة في قانون الأحوال الشخصية

وينصُّ قانون الأحوال الشخصية رقم (1) لسنة 2000م في المادة الثالثة من مواد الإصدار على أنه: [تصدر الأحكام طبقًا لقوانين الأحوال الشخصية والوقف المعمول بها، ويُعمل فيما لم يرد في شأنه نصٌّ في تلك القوانين بأرجح الأقوال من مذهب الإمام أبي حنيفة] اهـ.

وجاء في أحكام محكمة النقض (الطعن رقم 326 لسنة 63 ق أحوال شخصية) ما نصه: [طبقًا للفقه الحنفي؛ فإن أقل مدة لتمام العدة هي ستون يومًا] اهـ.

أكثر فترة العدة

وأما أكثر فترة العدة: فهو سنة قمرية كاملة؛ وذلك في حال ارتياب الْمَرْأَةِ من ذوات الحيض بسبب ارتفاع حيضها أو مرض أصابها، ولم تكن قد بلغت بَعْدُ سن اليأس وهو خمسة وخمسون عامًا قمريًّا؛ كما في "رد المحتار" للعلامة ابن عابدين الحنفي (3/ 516 ط. دار الكتب العلمية).


وتخريج القول بذلك مبنيٌّ على أنْ تتربص المرأةُ تسعةَ أشهرٍ لاستبراء الرحم من الحمل، ثم ثلاثةَ أشهر عدة الآيسة، فيكون مجموعهما عامًا كاملًا.


والقول بأن عدة ممتدة الطهر سنة قمرية، هو المفتى به على مذهب الإمام مالك، والذي عليه العمل عند المحققين من الحنفية، والمعتمد عندهم إذا قضى به القاضي، وممن نص على الفتوى بذلك من فقهاء الحنفية: العلَّامة نجم الدين الزاهدي في "المجتبى شرح القدوري"؛ حيث قال: [وقد كان بعض أصحابنا يفتون بقول مالك في هذه المسألة للضرورة، خصوصًا الإمام والدي] اهـ. نقلًا عن "البحر الرائق" للعلامة ابن نجيم الحنفي (4/ 142، ط. دار الكتاب الإسلامي)، والعلامة الطحطاوي في "حاشيته على الدر المختار" (2/ 217، ط. بولاق).


وقال العلامة محمد بن محمد بن شهاب بن يوسف الكَرْدَري الحنفي الشهير بالبَزّازي [ت: 827هـ] في "الجامع الوجيز" المعروف بـ"الفتاوى البزازية" (4/ 256، ط. الأميرية-بهامش الفتاوى الهندية): [بَلَغَتْ فرَأَتْ يومًا دمًا ثم انقطع ومضى حولٌ ثم طلقت؛ فعِدَّتُها بالأشهر، وإن رأت ثلاثة أيام وانقطع ومضى سنة أو أكثر ثم طلقت؛ فعِدَّتُها بالحيض إلى أن تبلغ حدَّ الإياس وهو خمس وخمسون سنة في المختار، وعند مالك: للآيسة تسعة أشهر؛ ستة أشهر لاستبراء الرحم، وثلاثة أشهر للعدة، قال العلاّمة: والفتوى في زماننا على قول مالك في عدة الآيسة] اهـ.


وكلام الإمام البزازي هذا نقله جماعة من علماء الحنفية مُقِرِّينَ له؛ كشيخ الإسلام محمد بن حسين الأنقروي [ت: 1098هـ] في "الفتاوى الأنقروية" (1/ 97، ط. بولاق 1281هـ)، وقاضي قضاة الحنفية في زمنه عبد البر بن الشِّحْنة [ت: 921هـ] في "شرح الوهبانية"؛ كما في "الدر المختار" للعلاّمة الحصكفي (3/ 558).


وكذلك المولى شمس الدين محمد الخراساني القهستاني الحنفي [ت: 962هـ] مرجع الفتوى ببخارى وجميع ما وراء النهر؛ حيث ذكر أن بعض الأصحاب يفتون بقول الإمام مالك؛ كما في "مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر" (1/ 467 ط. دار إحياء التراث).


والتحقيق أن المراد عند الحنفية بكون الفتوى في هذه المسألة على قول الإمام مالك هو جواز إفتاء الحنفي بذلك في حالة الضرورة، وأن ذلك لا يُخرجه عن مقتضى مذهب الحنفية.


ولا شك أن الضرورة -أو الحاجة التي تنزل منزلتَها- متحققةٌ في هذه المسألة؛ فإنها مفروضة فيمن انقطع حيضها من النساء قبل سن اليأس، وفي منع المرأة من الزواج إلى بلوغ هذه السن من الحرج والمشقة ما لا يخفى، فإذا انضاف إلى ذلك تغير الزمان وكثرة المفاسد وشيوع أسباب الشهوات كانت الضرورة أعظم والحاجة إلى الفتوى والقضاء بقول المالكية أشد.


فإذا جاز قضاء القاضي الحنفي به في هذه الحالة آلَ الأمر إلى كونه هو المعمول به عند الحنفية في مسألة الضرورة أو حالتها أو زمانها، ويصدق عليه حينئذٍ أنه الأرجح في الفتوى والقضاء وإن لم يكن معتمد المذهب في النقل والتحرير.


والمعمول به قضاءً وهو ما جاءت به أحكام النقض من محكمة الأحوال الشخصية في الطعون المقدمة إليها؛ ومن ذلك ما جاء في الطعن رقم (46) لسنة 53ق: [ومفاد نص الفقرة الثانية من المادة (7) من المرسوم بقانون رقم (25) لسنة 1929م، يدل -وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة- على أن المشرع قد جعل مدة السنة التالية للطلاق حدًّا تعتد فيه المطلقة فيما تدعيه من عدم انقضاء عدتها] اهـ.


 وخلاصة ما سبق وتطبيقًا لما ورد الاستفسار عنه:

فإنَّ مراجعة الزوج لمطلقته من طلاق رجعي يُنْظَر فيه إلى أجل انقضاء عدتها وفقًا لما يتناسب مع حالتها:
- فإن كانت ذات حملٍ: انقطع حقه في مراجعتها بولادتها، أو بوضع حملها مستبين الخلقة.
- وإن كانت آيسة؛ بأن بلغت خمسة وخمسين عامًا مع كونها قد انقطع حيضها مدة ستة أشهر على الأقل: انقطع حق المراجعة بمرور ثلاثة أشهر قمرية من بعد طلاقها.


- وإن كانت من ذوات الحيض: فينقطع الحق في المراجعة بمُرور ثلاثِ حيضاتٍ على المُطَلَّقة؛ بحيث تكون بداية أُولاها بعد الطلاق، ويُعْرَفُ ذلك بإخبار المُطَلَّقة، وذلك فيما بين ستين يومًا كحدٍّ أدنى، وعامٍ قمريٍّ كاملٍ كحدٍّ أقصى، ويترتب على ذلك: أنها إن أخبرت ببقاء عدتها فيما بين هذين الحَدَّين صُدِّقت في ذلك ويصح مراجعتها. ومما سبق يُعلَم الجواب عما ورد بالطلب.

Advertisements
Advertisements
الجريدة الرسمية