رئيس التحرير
عصام كامل

النعش الطائر

في حقبة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، اشتهرت إحدى عربات الأجرة بين المحافظات، بمسمى النعش الطائر، إذ إنه ووفق بعض خبراء السيارات حينها، ينخفض وزنها تماما إلى بضعة كيلومترات، حال وصولها إلى مستوى سرعة يتعدى مئة كيلو متر فى الساعة، لتصبح سبعة كيلو جرامات فقط !، وفى بعض الأحيان وفق معايير نسبية، قد ترتفع قليلا عن الأرض خلال سيرها بسرعة، وهو ما جعل هذا النوع من السيارات، تنال سمعة لا بأس بها من التشاؤم والخوف من استقلالها، كونها باتت صندوقا طائرا للموت.

 

هذا النعش الطائر، قضي فيه المئات نحبهم، وقلما وجدنا من نجا من حوادث تلك السيارة، والتي توارت قليلا فيما بعد، ليحل محلها، صندوق موت آخر، ولكن بسعة ركاب أكبر (14 راكبا).

 

ولا أقصد هنا مطلقا الحديث عن عيوب صناعة، أو ماشابه، ولكن مقصد الحديث عن الرعونة والطيش والاستهتار، التي غلفها خلال الثلاثة عقود الأخيرة، تعاطي المخدرات أثناء القيادة، ظنا أنها تجلب الانتباه، ولكن للأسف يذهب مئات الضحايا، جراء مغامرة سرعة غير محسوبة، أو "غرزة طريق" على الماشي، أو قرص مخدر يبتلعه سائق المركبة ظنا أنه يمنحه القوة والثبات، في حين قد يكون هو أول ضحايا هذا القرص.

 

رغم رؤيتى سائقين، أصحاب أجرة وملاكي، يلتزمون التزاما شديدا بقواعد السير، خاصة على الطرق السريعة، إلا أن  كثيرا من الحوادث التى حدثت مؤخرا، كانت جراء جرعة مخدر، أو استعراض مهارات قيادة، أو رعونة وسير بسرعات عالية للغاية، تتعدى المقرر قانونا على الطرق، من فئة من سائقي المركبات معدومة الضمير، سواء  كان سائق نقل أو أجرة أو ملاكى.

 

تغليظ العقوبة

 

قالها لى سائق ستينى يعمل بكد على سيارته الأجرة، ملتزما التزاما شديدا بالسير وفق السرعات المقررة، حين فتحنا حديثا عابرا عن حوادث الميكروباص، أنقلها كما هى وفق لسانه: "يا استاذ.. سواق القطش مابيغلطش، وان غلط ما بيتصلحش"، في دلالة على سائق الميكروباص التى تكون سيارته بلا مقدمة، والذى يكون فيه السائق في مواجهة المقابل له، وتكون نتيجته الأكيدة الموت فى حال الاصطدام بالمقابل له.

 

تألمنا بالأمس من أخبار حادث مصرع طلاب ثانوي في مدينة الشيخ زايد، كانوا يستقلون سيارة أحدهم، وخلال إحدى منحنيات الاستدارة إلى الطريق المقابل "يوتيرن" فاجأهم ــ وفق  شهود عيان ـ نعش طائر عبارة سيارة ملاكي حديثة يقودها نجل أحد رجال الأعمال، والذى يبدو وفق تأكيد أحد الزملاء مسئولي صفحة الحوادث بأحد المواقع الإخبارية، أنه كان يسير على سرعة قُدرت بــ 150 كيلو متر في الساعة، ما أدى إلى مباغتته سيارة الطلاب الأربعة وانقضاضه عليها بلا رحمة، ومصرعهم على الفور حتى قبل وصولهم إلى المستشفى، وتم إلقاء القبض على المتسبب فى الحادث والتحفظ على سيارته، كما تجري النيابة العامة تحقيقاتها الآن، لمعرفة الملابسات.

 

لم يعد النعش الطائر، إذا سيارة أجرة متنقلة بين المحافظات، ولكن باتت تسير في شوارعنا الضيقة أيضا نعوش طائرة، يحملها أو يقودها من فقدوا أى شعور بوجود كائنات حية أخرى مثلهم تسير على الأرض وتحتاج إلى مساحات من الأمان على الطريق، فخيل إليهم أن هذه الطرق لهم وحدهم فقط، وأنهم وأنهم ملوك الطريق وسادته.

 

 

وإلى حين إعلان نتائج التحقيقات فى هذا الحادث المؤسف وأسبابه، والذى أدعو الله سبحانه وتعالى أن يلهم أسر ضحاياه الصبر فى مصابهم، أدعو المشرع إلى تغليظ عقوبة التسبب فى حوادث السيارات المميتة، نتيجة السرعة الزائدة أو استعراض الرعونة فى القيادة، وتعاطى المخدرات أثناء القيادة، أدعو أن تكون العقوبة القانونية مغلظة شافية لقلوب ذوى الضحايا، تبرد نيرانهم وتنتقم ممن اختطفوا أحبائهم فى غمضة عين، فقد يساوي استعراض بطولة على الطريق حياة إنسان وتشرد أسرة، رحم الله الضحايا.

الجريدة الرسمية