رئيس التحرير
عصام كامل

صرخة من قصر الرئاسة

أعداء مصر التسعة.. هكذا حدد القدماء المصريين عدد أعدائهم، ورمزوا إليهم بتسعة أقواس نقشوها على جدران المعابد والقبور، ورسموا الأعداء مقيدين أذلاء بعد هزيمتهم وأسرهم. أعداء مصر القدماء كانوا من الخارج، يساعدهم خونة من الداخل، وكانوا إما مصريين يبثون الفتنة، أو أجانب يعيشون بين المصريين، وجميعهم ينشط عندما يعتلي حكم مصر أجنبي، أو مصري ضعيف، ومن بينهم وزراء متطلعين للسلطة، وكهنة ومتمردين دينيًا وأخلاقيًا كانوا على تواصل مستمر مع العدو الخارجي لمساعدته ضد مصر.

ومع مرور السنين يتغير أعداء الخارج، فعدو الأمس صار اليوم صديقًا، ومن كان صديقًا صار عدوًا، أما القاسم المشترك بين الأمس واليوم فهو استهداف مصر، والأطماع المستمرة في أراضيها وحضارتها، ومحاولات إخضاعها لعدو الخارج بمعاونة عدو الداخل.

المستشار أمير رمزي رئيس محكمة الجنايات يحمل الراية ليكون إمتدادًا لمن نقشوا أعداء مصر التسعة على جدران المعابد والقصور، ولأنه يعلم كما الجميع من هم أعداء الخارج.. توقف أمام أعداء الداخل لأنهم الأخطر، ينخرون في عظام المجتمع لتحويله إلى لقمة سائغة أمام عدو الخارج، خلص رمزي إلى أن مصر تواجه خمسة أعداء في الداخل، حدد أسماءهم، ووضع يده عليهم، وشرح كيفية مواجهتهم والقضاء عليهم.

أعداء مصر 

ففي كتابه (أعداء مصر الخمسة ) الصادر عن هيئة الكتاب.. وقبل الدخول في تفاصيله المهمة لابد أن تتوقف أمام المقدمة التي كتبها المؤلف، والتي حملت شرحًا وافيًا للبيئة التي ينشط فيها أعداء الداخل، فمعايير التقييم التي تخضع للهوى الشخصي، ومعها الشر المبني على (الأنا) تنعكس سلبًا على المجتمع، فتصنع منه جزرًا منعزلة تتعارض مصالحها، لنجد أنفسنا أمام دوائر من الصراعات المصغرة، تشغلنا عن مواجهة الأخطار الحقيقية.

وفي المقدمة  يؤكد رمزي على أهمية مواجهة أنفسنا وعدم دفن رؤوسنا في الرمال إذا كنا نريد إصلاحًا، فالسفينة لا تبحر في أمان عندما ينشغل الركاب والمسئولون عنها بتجميل ظاهرها وهي مليئة بالثقوب التي تتسع مع الوقت لتأخذ كل من فيها إلى غرق محتوم.

أعداء مصر الخمسة حددهم المؤلف وفقًا لرؤيته، فكان من بينهم الثلاثة التقليديين، الفقر والجهل والمرض، ذلك الثالوث الكفيل بتدمير أي مجتمع، وأضاف إليهما عدوين هما الظلم والفوضى. الكتاب يضم العديد من الإحصائيات ليكون مرجعية للباحثين والمسئولين، ولم يغفل وضع روشتة لعلاج الأمراض الخمسة، أو الأعداء وفقًا للتسمية التي اختارها المؤلف.

أما اختيار قصر عابدين الذي كانت تدار منه مصر بتاريخه وفخامته ليقام فيه حفل توقيع الكتاب.. فيحمل رمزية أخرى، ولعل المؤلف أراد التأكيد على أن القضاء على أعداء مصر لن يتحقق إلا بإرادة حقيقية، وشراكة بين الحاكم والشعب.

حفل توقيع كتاب (أعداء مصر الخمسة) كان بمثابة صرخة انطلقت من قصر عابدين، لتضع الجميع أمام مسئولياته.

besheerhassan7@gmail.com

الجريدة الرسمية