رئيس التحرير
عصام كامل

بعد تصريحات محمود أنور عن رؤية الله.. تعرف على رأي الفقهاء

الشيخ محمود الشحات
الشيخ محمود الشحات
أثارت تصريحات القارئ الشيخ محمود الشحات أنور، حالة واسعة من الجدل بعد تصريحاته عن رؤية الله سبحانه وتعالى في المنام.

ونسلط خلال التقرير التالي حكم القول برؤية الله سبحانه وتعالى في المنام:


من جانبها أكدت دار الافتاء المصرية أن رؤية الله تعالى من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة والجماعة من الأشاعرة والماتردية، وبين غيرهم من الفرق الإسلامية الأخرى؛ كالمعتزلة والشيعة والإباضية أما أهل السنة فقد أجمعوا على أن رؤية الله تعالى مما يدخل في الممكنات، وأن العقل لا يحيل رؤية العباد لربهم، وهي من المسائل التي لا يُعدّ الخلاف فيها مستوجبًا للكفر والردة، وإن كانت مخالفة أهل السنة والجماعة تستوجب الفسق والجنوح عن الحق والنافون للرؤية قالوا: إن الرؤية هي انطباع صورة المرئي في الحدقة، ومن شرط ذلك انحصار المرئي في جهة معينة من المكان حتى يمكن اتجاه الحدقة إليه، ومن المعلوم أن الله ليس جسمًا ولا تحده جهة من الجهات، وبذلك يكون مرادهم من الرؤية هو المعنى الحاصل بين المخلوقات الذي يلزم منه اشتراط وجود الجهة والمقابلة وغير ذلك من الأمور التي تستدعي التشبيه الذي ينزه عنه الله عز وجل.

وقالت دار الافتاء : مذهب الأشاعرة أنه لا تلازم بين الرؤية والتشبيه، فيثبتون رؤية الله لكن ليست كرؤيتنا للأشياء في الدنيا، فإن الكيفية التي تحصل الرؤية بها اليوم ليست إلا كيفية من كيفيات كثيرة، كان الله عز وجل ولا يزال قادرًا على ربط حقيقة الرؤية بما شاء منها، وقد جرت العادة في رؤية بعضنا لبعض -أي: ما يقع بين الحوادث والممكنات- من حصول مقدمات يترتب عليها انطباع صورة المرئي في حدقة الرائي، وذلك بأن يكون المرئي في مقابلة الرائي مقابلة مكانية، وأن يكون البعد بين الرائي والمرئي مسافة معينة تقدر بحسب قدرة البصر قوة وضعفًا، ومن ثم فيحدث ارتسام صورة المرئي في سطح عين الرائي، أو خروج شعاع من عين الرائي يقع على المرئي، وما كل ذلك إلا على جهة الاتفاق العادي، لا على سبيل الاشتراط العقلي، فالله سبحانه وتعالى قادر على خلق صورة الشيء بدون هذه المقدمات، فليست هذه المقدمات شرطًا عقليًّا لا يجوز تخلفه، بل هي عبارة عن ترتيبات عادية تحصل بإرادة من الله تعالى، ولو شاء الله عز وجل ألا يجعلها كذلك لفعل.


وأضافت : يقول الشيخ محمد الحسيني الظواهري في "التحقيق التام في علم الكلام" (ص: 97، ط. مكتبة النهضة المصرية): [والمراد بالرؤية التي ندعي جوازها: الحالة التي يجدها الإنسان حين أن يرى الشيء بعد علمه به، فإنه يدرك تفرقة بين الحالتين، وتلك التفرقة ليس مرجعها ارتسام صورة المرئي في العين، أو اتصال شعاع خارج من العين إلى المرئي عند المواجهة، بل هي حالة أخرى مغايرة للعلم يمكن حصولها من غير ارتسام صورة وخروج شعاع يخلقها الله تعالى في الحي، ولا تشترط بضوء ولا مقابلة ولا غيرهما من الشرائط] اهـ.


الرؤية في الأخرة
وأكدت الافتاء رؤية الله تعالى في الآخرة معناها: انكشافه لعباده المؤمنين في الآخرة انكشافًا تامًا، ولا يلزم من رؤيته تعالى إثبات جهة -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- بل يراه المؤمنون لا في جهة كما يعلمون أنه لا في جهة، يقول الدكتور محمد البوطي في "كبرى اليقينيات الكونية" (ص: 171، ط. دار الفكر المعاصر): [على الرغم من أن الله تعالى ليس جسمًا ولا هو متحيز في جهة من الجهات، فإن من الممكن أن ينكشف لعباده انكشاف القمر ليلة البدر كما ورد في الأحاديث الصحيحة، وأن يروا ذاته رؤية حقيقية لا شبهة فيها، وستحصل هذه الرؤية إن شاء الله بدون الشرائط التي لا بد منها للرؤية] اهـ.
وقد استدل أهل السنة على إمكان رؤية الله في الآخرة بالكتاب والسنة والإجماع:
أما استدلالهم بالقرآن فبعدة آيات:
أولًا: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ۞ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]. وجه الدلالة: أن النظر إما أن يكون عبارة عن الرؤية بالمعنى المراد عند أهل السنة، أو عن تقليب الحدقة نحو المرئي طلبًا لرؤيته. والأول هو المطلوب، والثاني تعذر حمله على ظاهره؛ لأن تقليب الحدقة إلى المرئي يستلزم أن يكون في الجهة والمكان، فيحمل النظر على الرؤية التي هي كالمسبب للنظر بالمعنى الثاني، وإطلاق السبب وإرادة المسبب من وجوه المجاز البليغة اهـ. راجع: "التحقيق التام في علم الكلام" (ص: 97).
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15].
وجه الدلالة: أنه تعالى أخبر عن الكفار على سبيل الوعيد في هذه الآية أنهم لا يرونه؛ عقوبة لهم، وذلك يدل على أن المؤمنين يومئذ غير محجوبين عن ربهم، وإلا لم يكن في الإخبار عن الكفار على سبيل الوعيد بهذا التعبير فائدة.
ثالثًا: قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]. فإن الحسنى: هي الجنة، والزيادة: هي النظر لوجهه الكريم كما قال جمهور المفسرين.


وأكدت الدار أنه يدعم هذا التفسير ما روي عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم قال: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ» رواه مسلم في "صحيحه".

رابعًا: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 143]. والاستدلال من هذه الآية من وجهين:
الأول: أن موسى عليه السلام سأل ربه الرؤية، فلو استحالت الرؤية لكان سؤال موسى عليه السلام جهلًا أو عبثًا؛ لأنه نبي يعلم ما يجب في حق الله وما يستحيل وما يجوز، إذ لا يجوز على أحد من الأنبياء الجهل بشيء من أحكام الألوهية، ولكن لما سألها موسى عليه الصلاة والسلام دل على أنها جائزة.

والثاني: أن رؤية الله تعالى معلقة على أمر ممكن، فإنه سبحانه وتعالى علق الرؤية باستقرار الجبل حال تجليه تعالى له، وهو أمر ممكن في نفسه ضرورة؛ لأن استقرار الجبل من حيث هو ممكن، وكل ما علق على الممكن لا يكون إلا ممكنًا، فيكون المعلق باستقراره أيضا ممكنًا، فالرؤية ممكنة.

واستدلوا على جواز الرؤية بأحاديث:
أولًا: عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وآله سلم فنظر إلى القمر ليلة، يعني البدر، فقال: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تَضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» ثُمَّ قَرَأَ: «﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: 39]» متفق عليه.
ثانيًا: وعنه أيضًا قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا» رواه البخاري في "صحيحه".
ووجه الدلالة من الحديثين واضح؛ قال العلامة ابن القيم في "حادي الأرواح" (ص: 205، ط. دار الكتب العلمية): [وأما الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الدالة على الرؤية فمتواترة، رواها عنه أبو بكر الصديق، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وجرير بن عبد الله البجلي، وصهيب بن سنان الرومي، وعبد الله بن مسعود الهذلي، وعلي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري، وعدي بن حاتم الطائي، وأنس بن مالك الأنصاري، وبريدة بن الحصيب الأسلمي، وأبو رزين العقيلي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو أمامة الباهلي، وزيد بن ثابت، وعمار بن ياسر، وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وعمارة بن رويبة، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وحديثه موقوف، وأبي بن كعب، وكعب بن عجرة، وفضالة بن عبيد، وحديثه موقوف، ورجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير مسمى رضوان الله عليهم] اهـ.
قال الإمام مالك: لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه، ولو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الكافرون بالحجاب، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15].


وأشارت دار الإفتاء إلى أن  الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا مجمعين على وقوع الرؤية في الآخرة وأن الآيات والأحاديث الواردة فيها محمولة على ظواهرها من غير تأويل ويقول الشيخ الحسيني الظواهري في "التحقيق التام في علم الكلام" (ص: 106): [وكأني بك بعد اطلاعك على هذا المبحث وتقرير الأدلة على الوجه الذي رأيته ترى أن ما قاله الأشعرية في رؤية الله وقامت أدلتهم عليه غير الرؤية التي استدل المعتزلة على عدم صحتها، فالنزاع يكاد أن يكون غير حقيقي] اهـ.

الرؤية في الدنيا
وتابعت: أما رؤية الله تعالى في الدنيا: فقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجوز عقلًا رؤية الله في الدنيا والآخرة، وسؤال موسى عليه السلام إياها دليل على جوازها؛ إذ لا يجهل نبي ما يجوز أو يمتنع على ربه كما سبق ذكره، أما من حيث ورود السمع بذلك في الدنيا فقد اختلف أهل السنة والجماعة في وقوع الرؤية لأحد من الناس في الدنيا: فمنهم من قال: لم يرد السمع إلا بما يدل على الرؤية في الآخرة فقط، بل الذي جاء به السمع هو امتناع رؤية أحد من الناس ربه قبل الموت؛ وذلك لما ورد أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَمُوتَ» رواه مسلم.
الجريدة الرسمية