رئيس التحرير
عصام كامل

محطات في قطار العمر

عندما تقرأ هذه المقالة أستأذنك أن تقرأ الفاتحة على روحي، وأرجوك أن تعرف أن هذه الدنيا الفانية لا تساوي شيئا بالمرة، وأنك فيها ضيف كما كنت أنا، قد تكون ضيفا خفيفا أو ثقيل الظل، وقد تكون هذه أول مرة تري في حياتك رجلا ينعي نفسه قبل أن يموت ويلقي ربه، وقد تكون هذه هي المرة الوحيدة التي تري فيها إنسانا يسألك أن تقرأ عليه أو له الفاتحة وهو حي!

والسؤال الآن لماذا أقدمت أنا علي كتابة هذا المقال قبل أن أموت لتقرأه أنت بعد وفاتي؟ هل هي الحالة العامة في البلاد التي تدعو للإكتئاب وهل هو الإحساس بدنو الأجل والشعور بأنني قد أديت رسالتي في الحياة أو أنه لم يعد هناك شىء أقدمه للناس أو لأعلن بأن ضميري مستريح ورسالتي في الحياة إنتهت الحمد لله لقد عاصرت الملكية ،لما قامت الثورة كان عندي عشر سنوات.

فأنا من مواليد يوليو 1942، كنت ابن العاشرة طفلا علي درجة رجل، كنت أسافر لأتعلم بعيدا عن قريتي وأركب القطار وأهرب من الكمساري حتي لا أدفع قرش تعريفة هو ثمن تذكرة القطار، لست وحدي الذي كان يفعل ذلك، كلنا كنا نتهرب، وكان كبارنا يعقدون صفقة مع الكمساري ويحصل علي قرشين صاغ مثلا لكل أبناء القرية المسافرين وعددنا لا يقل عن خمسة عشر طالبا..

 

الصدفة جمعتهما.. السيسي و48 ساعة مع عبد الناصر! 

 

ركبت المراجيح البلدي والحمير والجمال كما ركبت الحصان، كما ركبت الكارو في تنقلاتنا للعب في البلاد المجاورة، وفي الرابعة عشرة عاصرت العدوان الثلاثي علي مصر وإستقبلنا في بلدتنا مهاجري بورسعيد، كنا نقف علي محطة القطار بعد أن قفلت المدارس أبوابها، وكنا نعزم عليهم بالنزول ضيوفا علينا .


عاصرت ملكاً وأربعة رؤساء.. عبد الناصر هذا الزعيم الذى أحببته، والذي رأيته أمامي وعلي بعد مترين عندما جاء الي المنزلة دقهلية عام 1958 وكنت أيامها طالبا في أولي ثانوي وعضوا في الشرطة العسكرية المدرسية ومطلوب مني الوقوف أمام المنصة التي يلقي من عليها عبد الناصر خطبته في إستاد المنزلة..

 

رأيت المذيع أحمد فراج وهو يقدمه، كنت مبهورا بكاريزما ناصر وكنت أود أن اكون مذيعا أو مدرسا للألعاب الرياضية لحبي لكل ما هو رياضي، فلقد كنت لاعبا في فريق بلدي ومؤسسا لنادي النصر الرياضي الثقافي الإجتماعي ومشرفا رياضيا ومدربا لفريق الكرة فيه، أسميته النصر لأنه تأسس بعد العدوان الثلاثي علي مصر عام 56 التي إنتصرنا سياسيا على فرنسا وبريطانيا وإسرائيل..

 

وكنت رئيسا لفريق مدرسة المنزلة الثانوية لكرة القدم في العام الأخير لي في الثانوية العامة، وكنت أحظي بحب الجماهير وأساتذتي وكان هناك ود كبير بينهم ولهذا أعتبر نفسي قد عشت فترة الشباب في بلدي بحب الناس ويحملون لي ذكريات طيبة .

 

 اقرأ : ثورة 19 بالصور.. إصدار جديد!


قضيت فترة تجنيدي في سلاح المدفعية وعشت أحلي الذكريات وكونت أصدقاء ولعبت كرة في الجيش أيضا وكنت مطلوبا في إتحاد الجيش لكنني رفضت لأنهم ينزلون للمبيت كل يوم وأنا غريب في القاهرة وفي ذلك تكلفة كبيرة حيث كان مرتب الجندي في ذلك الوقت 96 قرشا، ولقد عاصرت إفتتاح التليفزيون المصري عام 60 وشاهدت كل مسرحيات التليفزيون وكل النجوم.. فؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي ومحمد عوض ومحمد صبحي وكل فطاحل المسرح، كما أنني شاهدت معظم المسرحيات علي الطبيعة وعلي المسرح..

 

ولقد كنت أيضا مشاهدا لنجوم الكرة في الملاعب قبل أن أتزوج.. رأيت صالح سليم وطارق سليم والفناجيلي والشربيني وعادل هيكل وعبد الجليل حميدو وأبو غيدة وكل لاعبي الأهلي القدامي في الخمسينيات والستينيات، رأيتهم في الملاعب علي الطبيعة، كما رأيت كل لاعبي الزمالك القدامي أيضا في مبارياتهم مع الأهلي علي ملعبه في الجزيرة .


ولعبت في فريق اللاسلكي وسافرت معظم عواصم المحافظات، كما لعبت مع منتخب الهيئة وحصلنا علي دوري الوزارات، ومارست العمل السياسي في منظمة الشباب الإشتراكي والإتحاد الإشتراكي، ولكني طلقت كل ذلك بعد وفاة عبد الناصر في سبتمبرعام 70 وتفرغت لتربية أولادي، وسافرت للعمل بجدة في السعودية وعشت ثلاث سنوات في صحبة زوجتي والأولاد وعشت بكرامة هناك وعدت مرفوع الرأس بعد تقديمي إستقالة، ولم أرضخ لرجاء رؤسائي السعوديين الذين حاولوا أن يسنوني عن طلبي ولكني رفضت فأولادي بدأوا يكبرون وكان الله كريما معي دائما في فترة الشباب وحفظني من أي إنحراف في السلوك .

 

 

و بدعوات أمي (روح إلهي يحبب فيك خلقه )، عملت مع المهندس حلمي ابو علي النائب للتشغيل الذي كان يعرفني من أيام المنظمة والإتحاد الإشتراكي وبترشيح من الأستاذ فؤاد عثمان الأب الروحي لي ولزوجتى والذي كان له أفضال علي وعلى كثير من العاملين في اللاسلكي وسفرهم للعمل في كل المدن السعودية، وبعد أبو علي عملت مع المهندس أحمد كامل نائبا للتشغيل ثم رئيسا للهيئة..

 

25 يناير.. للثورة أماكن تحكيها

 

ثم المهندس وجدي عبد الحميد رئيسا للهيئة لمدة 9 سنوات ثم المهندس محمود الصوري رئيس الهيئة لمدة سنتان ثم المهندس مختار غنيم رئيس القطاع الدولي ثلاث سنوات ثم العودة للعمل مع المهندس عبد الفتاح أبو سريع رئيس الهيئة ثلاث سنوات ثم مسك الختام سنتان مع المهندس أسامة بسيوني رئيس القطاع الدولي حتي خرجت علي المعاش في يوليو 2002 يحيطني حب الناس ووداعهم المؤثر .

 

 

أردت أن أحكي لك قصتي مع الحياة لا لشىء إلا لتعرف كيف أن الله كان معي وكنت أعيش على دعوات أمي التي كانت تحبني وتدعو لي دائما بالصحة والستر،

"روح إلهي تلاقي في كل خطوة سلامة"، "إلهي يسترها معاك دنيا وآخرة "، "إلهي تلاقي سرة فلوس"، وها أنا والحمد لله عشت مستورا وتحققت دعوات أمي ولم أعمل طوال عمري الوظيفي إلا مع فطاحل الهيئة، ويشهد الله أنني لم الجأ لأحد من أجل الإلتحاق بأي وظيفة بل كانت سمعتي وجديتي في العمل هي التي تجعلني أحيانا لي شروطي، ويشهد الله أنني كنت مخلصا لكل من عملت معهم..

 

فالإخلاص وعدم إذاعة أسرار العمل هو النبراس الذي يدفعك للنجاح، وأستطيع أن أقول الحمد لله كثيرا أنني عاصرت حكم ناصر وقبله محمد نجيب كما عاصرت حكم السادات ومبارك، كما عشت إنتكاسات وإنتصارات مصر، وعشت ربط الحزام ، ووقفت في طابور الجمعية من أجل جوز فراخ أو كيلو سكر أو صابونة أو زجاجة زيت، كما أنني وقفت في طوابير العيش، ثم عشت عصر الإنفتاح، عشت ثورة يوليو ثم ثورة 25 يناير، بإختصار تعبت وفرحت وسهرت وعشت السهاد، عشت الإنكسار والإنتصار..

 

 هل خدعتنا الثورة؟

 

عشت أيام الذل والهوان وحياة البغددة، صادقت وكتبت مع كوكبة من صحفيي الأهرام الأساتذة صلاح جلال وعبد الوهاب مطاوع وأبو السعود إبراهيم وغيرهم وكبار الفنانين محمد سليمة، وناجي كامل ومكرم حنين وأنطون ألبير وغيرهم وأنتجت ما يقرب من عشر كتب نزلت في معرض الكتاب السنوي، ولبست القبقاب ولبست الحذاء الكلاركس، سبحت في الترعة والبحر الصغير ثم في الساحل الشمالي والمياه الفيروزية بمطروح وشرم الشيخ والغردقة..

 

يعني بإختصار ربنا عوضني أيام الحرمان وأكرمني الله، فالحمد لله كثيرا أن وهبني الأولاد والأحفاد والزوجة الصالحة التي تحافظ علي بيتها وزوجها وأولادها وأحفادها، الحمد لله والدوام لله وحده، وأسألك في النهاية أن تسامحني إن كنت قد أسأت لك يوما فقد يكون ذلك بدون قصد وأن تقرأ الفاتحة علي روحي لأني يوما قد أسعدتك بكلمة مقروءة أو بسمة من خلال كلمة صادقة فلقد كانت أبرز عيوبي الصراحة التي تحرج أو تكشف احيانا وقد يعجب ذلك الأغلبية ولكنه لا يعجب القليلين..

 

كنت لا أخاف من أحد غير الله الذي كان أمامي في كل تصرفاتي فكم تعرضت لإغراءات لكن الله حماني، وطوال عمري والحمد لله لم اركع إلا للواحد القهار ولم أداهن أحدا مهما كان .
في النهاية أسألكم الدعاء وإلى اللقاء...

الجريدة الرسمية