رئيس التحرير
عصام كامل

ودّعوا صحافتكم الورقية

>> حان الوقت لبعض الصحف الشجاعة والواقعية فى مصر -والتى قررت مؤقتا إيقاف الطباعة الورقية والتحول لإلكترونية- أن يصبح هذا التحول المؤقت مستديما وأبديا، فهذه الخطوة لا تعنى فشل القائمين عليها، بل هى تماهٍ مع واقع مؤلم ومتغير جديد لم يفرضه فقط وباء كورونا..

 

بل فرضته قبلها ثورة الاتصالات والمعلومات وعزوف الكثير من الناس عن اقتناء أو مطالعة الصحف الورقية ونشوء جيل جديد لم يعد يتعامل مع الورق، وشيوع ثقافة الحصول المجاني على المعلومة.

 

 فى 31 ديسمبر وبينما كان عام 2016 يطوى آخر أيامه صدرت صحيفة السفير اللبنانية بعنوان كبير "الوطن بلا السفير" واضعة حدا لمسيرتها الورقية التي استمرت لأزيد من أربعة عقود، ولم تكن السفير هى الصحيفة الوحيدة التى كتبت شهادة وفاتها بيدها، بل سبقتها ولحقتها صحف أخرى عربية وعالمية كثيرة..

 

إقرأ ايضا: قانون "أبو شُقَة".. وجنيهاته الخمسة

 

منها مجلة نيوزيوك الأسبوعية الأمريكية الشهيرة وكذلك "يو أس نيوز أند ريبورت" التى كانت ثالث أوسع المجلات انتشارا في أمريكا، وجريدة "فرانس سوار" الفرنسية وغيرها الكثير من الصحف والمجلات واسعة الانتشار فى العالم.

 

وباء كورونا سوف يحلحل كثير من الثوابت التى استقر عليها العالم منذ عقود، وسوف يُحدِث ثورة كبرى وانقلابات جذرية فى كثير منها، وفى القلب منها الصحافة المطبوعة التى أتوقع لها أن تنتهى إلى الأبد، بل قد يصل الأمر الى إلغاء المطابع الصحفية نفسها فى كل دول العالم.

 

واقرأ ايضا: نقًطونا بــ"سُكَاتكم"

 

فبعد أن كادت الأقلام والاحبار تنقرض ولم يعد لها استخدام إلا فيما ندر، ستختفى الصحافة الورقية ويستعاض عنها بالنسخ المطبوعة PDF بحيث تصل صفحات الصحيفة الى القارىء فى غرفة نومه يتصفحها ويقرأها من موبايله وهو مستلقٍ على سريره، وأتصور أن ما يعزز هذا التوجه هو تدنى أرقام توزيع معظم الصحف على مستوى العالم..

 

ولم تعد المؤسسات الصحفية قادرة على تغطية تكاليف تلك الطباعة حتى بأرقامها الهزيلة، كما أحجم المعلنون وانصرفوا عنها إلى الفضائيات لعلمهم أن رسالتهم الإعلانية لن تصل إلا لعدد لا يتجاوز أصابع اليد من قراء تلك الصحف الورقية.

 

 أعلم أن أرقام توزيع صحف مصرية كثيرة وصلت إلى مرحلة مخزية يخجل من إعلانها القائمون على تحريرها، وأن تلك الأرقام تستوجب إيقاف الطباعة لوقف نزيف الخسائر، غير أن الشيء الوحيد الذى يجعلها تستمر فى مسلسل الخسائر هذا هو تعاقداتها الإعلانية التى وقعتها سابقا، وبالتالى فهى مستمرة لحين موعد نهاية تلك التعاقدات لأن توقفها يعنى فقدانها لدعم مادى يسندها فى محنتها.

 

واقرأ أيضا : لماذا يحب أصحاب المناصب منافقيهم ؟

 

أحد أسباب محنة الصحافة المصرية الورقية تحديدا -والتى كانت سابقا تمثل فى مصر سلطة رابعة بموجب نص القانون رقم 148 لسنة 88- أن الدولة لم تعد تعترف الآن بدورها وبقيمتها فى قيادة الرأى العام وتوجيهه، بل صارت تتعامل مع مبانيها الستة باعتبارها رقما خاسرا وعبئا ماديا..

 

ولا تأخذ بيدها ولا تساعدها فى النهوض مجددا، كما أنها لم تعد قادرة على تسديد استحقاقات وفواتير مؤسساتها الصحفية الحكومية الستة بعد أن "شاخت مبانيها" و"ترهلت عمالتها" و"تفاقمت أزماتها" و"ثقلت ديونها"، على جانب الصحافة الحزبية والخاصة لم يعد هناك أحزاب حقيقية ولم يعد رجال البيزنس مستعدين لاستمرار فتح حنفية "التمويل المجانى" للصحف الخاصة إلى ما لانهاية بدون مردود أو عائد..

 

بينما كانوا حتى وقت قريب يدفعون عن طيب خاطر ملايين الجنيهات شهريا مقابل الامتيازات والسطوة والنفوذ والوجاهة التى كانت تمنحها لهم ميزة امتلاكهم لصحف قوية ومؤثرة وتعمل لها السلطة ألف حساب.

 

اقرأ ايضا: اتبرع ولو بمليون جنيه

 

 لقد جاء اليوم الذى نرى فيه مصالح حكومية تمنع تداول الصحافة الورقية فى مكاتبها باعتبارها مصدرا لنقل عدوى كورونا، بل اتهمتها سلطات دولة مثل الأردن بنشر الفيروس، وفى 17 مارس الماضى اتخذت الحكومة الأردنية قرارا للمرة الأولى فى تاريخها بتوقيف طباعة الصحف الورقية كونها تسهم في نقل العدوى.

 

فى الماضى القريب كانت الدنيا تهتز لنشر شكوى فى أى صحيفة، وكانت أجهزة الوزارات المعنية لا تهدأ إلا بعد فحص وإزالة أسباب تلك الشكوى، الآن صار نشر الشكوى فى الصحف كمن يؤذن فى مالطا، لا مجيب ولا رد فعل ولا أى شيء.

 

ومنذ أيام توقفت عند بائع صحف فى ميدان عام، وكان عدد المعروض على "الفرشة" من كل صحيفة لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة بعد أن كانت فى السابق "ربطة بآلاف النسخ التى يقبل القراء على شرائها وسحبها حتى نفادها بالكامل، ولاحظت عبر نصف ساعة متصلة من مراقبة البائع أن أحدا لم يشترِ منه صحيفة واحدة، وهكذا صارت الصحف الورقية سلعة راكدة لمن يسوقها وخاسرة لمن ينتجها، بما يعنى أننا قد نودعها قريبا –على طريقة بوريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا عندما قال "ودعوا أحباءكم".

 

 واقرأ ايضا: وزير التموين .. من الإحسان الى "الأنعرة"

 

>> مازالت حكومتنا لا تعلم أن راتب الـ 2250 جنيها الهزيل لا يكفى فى هذا الزمن لتغطية نفقات ركوب المواصلات اليومية، ولا لتغطية تكلفة زيارة واحدة للطبيب بما يصاحبها من تحاليل وأشعة وما يتبعها من أدوية، وأنه لا يغطى الحد الأدنى للحياة الآدمية الكريمة لأى أسرة مصرية.

 

للأسف حكومتنا وهى تقر تعديلا على بعض أحكام قانون ضريبة الدخل الخميس الماضى أصرت على فرضها بنسب متصاعدة على من يبلغ راتبه 2250 جنيها فما فوق، بدلا من أن تعفى كل من يقل راتبه عن 10 آلاف جنيه من تلك الضريبة البغيضة التى ابتدعها الهارب يوسف بطرس غالى وزير الجباية أو المالية فى زمن مبارك وطبقها اعتبارا من مرتبات يوليو عام 2005.

 

وفى هذا المقام لا يسعنى إلا أن أكرر مقولتى المأثورة: "لا توجد حكومة في العالم تتعامل مع مواطنيها باعتبارهم كنزا أو دجاجة تبيض ذهبا، وطول عمري أعرف أن مصادر الدخل القومي خمسة، لكن حكومة "أم الدنيا" الحديثة أضافت لها مصدرا سادسا وهو "المواطن".

https://www.facebook.com/emad.sobhy.161

 

الجريدة الرسمية