رئيس التحرير
عصام كامل

بطل في زمن الكورونا.. حكاية طبيب تبرع بمرافقة نزلاء المركب السياحي لـ" مستشفى العزل" | صور

فيتو

لحظة قصيرة تُسرق من لحظات العمر، تتبدل فيها الأحوال رأسا على عقب، تشعر وكانك في عالم آخر وحياة غير التي ألفتها منذ سنوات، لتتحول وفي لمح البصر من طبيب بشري تخصص في جراحة المسالك البولية فور تخرجه، إلى بطل لمشهد أشبه بمشاهد أفلام الخيال العلمي، بطل يقف وحده في مواجهة وباء قاتل قد يودي بحياة أكثر من 30 شخصا بينما أنت تتحمل وحدك مهمة إنقاذ تلك الأرواح، هذا بالضبط ما حدث مع الدكتور "بكري عبد الستار" نائب مدير إدارة المستشفيات بمديرية الصحة في محافظة الأقصر، والذي تولى مهمة مرافقة مصابي فيروس كورونا الذين كانوا على المركب النيلية الموبوءة القادمة من أسوان عصر الجمعة الماضية.

في تمام الرابعة من عصر الجمعة الماضية، وبينما كان بكري يمارس عمله اليومي الطبيعي داخل مستشفى الأقصر، جاءته إخبارية برسو مركب نيلية سياحية قادمة من محافظة أسوان، بالقرب ضفة النهر المقابلة لمبنى المستشفى الرئيسي، وقد تبين وجود حالات إصابة بفيروس كورونا المستجد كوفيد-19 على متنها، "عملنا غرفة عمليات لإدارة الأزمة في المستشفى، وكان فيه 9 مراكب اختلطوا بالمركب الموبوءة في أسوان ومطلوب مننا نعمل مسح لكل المراكب".

كانت المركب الموبوءة تقل 101 شخص أجنبي و 75 مصريا، تم إجراء التحاليل اللازمة لهم بواسطة الفريق الوقائي، بينما كان بكري ضمن الفريق العلاجي والمشرف فقط، "عملنا مسح لأكثر من 900 شخص من الجمعة بالليل لحد فجر نفس اليوم" .

 

 

في غضون ساعات قليلة ظهرت نتائج التحاليل التي أجريت لجميع ركاب المركب والمراكب التي خالطتها، لتثبت انه هناك 34 حالة إيجابية مصابة بالفيرس بينما سجلت الحالات السلبية 11 حالة فقط، " جاء القرار فوري وفي لحظتها إنه لازم يتنقلوا مطروح جزء في الإيجابي بالنجيلة، والحالات السلبية هيتم عزلها في أحد الفنادق، الطيارة جت وقيادات الوزارة موجودين كانت طائرة حربية، والإسعاف نقلت الحالات من المركب للمطار، وكنا 6 دكاترة و 4 تمريض وفنيين المعمل".

 

 

في تلك اللحظة تحديدا حينما كان طاقم الإسعاف ينقل المرضى من المركب إلى سيارة الإسعاف استعدادا لنقلهم  إلى مطار الأقصر، حالة من الهلع والخوف سيطرت على المشهد كاملا صراخ وبكاء هنا وهناك، يقف بكري في البدلة الوقائية الصفراء ومن خلف عدسات النظارة الطبية السميكة، يراقب المشهد صامتا، ليأتي القرار فجأة بالتدخل لتهدئة الموقف، "يمكن وسط كل مشاهد الهلع دي مش هقدر أنسى مشهد سائحة فرنسية كانت  مصابة بكورونا وابنها طفل كانت نتيجة تحليله سلبية، فكان القرار إنه يفضل في المركب وهي تنتقل للنجيلة".

محاولات عدة قام بها الطبيب الاربيعيني  لتهدئة السيدة وإقناعها بضرورة إبقاء الطفل بعيدا عنها حتى لا تنتقل إليه العدوى.

كورونا الكلاب.. الفيروس القاتل يهدد الإنسان والحيوان| فيديو جراف

 

يبدأ العد التنازلي استعدادا لتحرك الطائرة الحربية من الأقصر إلى مطروح وهي تقل  43 من ركاب الباخرة بين مصاب وغير مصاب، كان من الضروري أن يرافق هؤلاء في رحلتهم القصيرة التي لا تتعدى الساعتين أحد الأطباء لعمل الإسعافات الطبية اللازمة داخل الطائرة وتهدئة الموقف قدر الإمكان، بعد أن دخل مجموعة من الشباب المصريين في نوبة صراخ رافضين التوجه إلى مقر العزل بمطروح مرددين "إحنا مفيناش حاجة واخدينا على فين!"، رفض الطبيب الأول الصعود إلى الطائرة، ورفض طبيب آخر كان مختص في علاج أمراض الباطنة والجهاز الهضمي، وقف بكري حينها في منتصف الدائرة التي ترأسها مساعد وزيرة الصحة لاختيار الطبيب المرافق لمصابي مركب الأقصر السياحية، "في لحظتها وبدون تردد قلت لهم أنا هرافق المصابين لحد ما يوصلوا المستشفى ومبنى الحجر الصحي، وبدون مقابل مادي".

رفض بكري لحاجة في نفسه أن يبلغ عائلته وزوجته بهذا القرار الذي يبدو للكثيرين "قرار صعب" لا يمكن لعاقل في كامل قواه العقلية أن يتخذه، لكن شرف المهنة والولاء الذي أقسم عليه بكري لحظة تخرجه في كلية الطب منذ حوالي 11 عاما، جعلاه لا يفكر في عواقب القرار، يكفي أن يكون مع هؤلاء يربت على الأيادي المرتعشة ويمسح على الوجه المذعور ويطمئن العين الخائفة، "مديت إيدي ليهم أسلم عليهم وأقول لهم متخافوش كلنا في مركب واحدة وهنكون بخير، يمكن أول 10 دقائق عدوا عليا كنت مصدوم حاسس إني بمثل في فيلم أو ده حلم وهصحى منه كمان شوية".

    

 

 

لمدة ساعاتين كان بكري يطمئن الركاب ويقدم الإسعافات الأولية للمصابين، ساعتان يصفهما بكري بعمره كله، حتى أنه إذا سألته عن تفاصيل تلك الساعتين يرتعش صوته ويتلعثم ولا يستطيع الحديث باستفاضة أو سرد تفاصيل ربما يريد أن تمر على ذاكرته مرور الكرام فحسب، " لما وصلت مطروح حسيت إني بدأت أدرك الموقف، ساعدت في نقل المرضى  وذهبت مع الحالات السلبية الفندق ، بقيت معاهم وجت أوامر إني لازم هقعد في العزل 14 يوم وممكن بعدها ارجع أباشر عملي مرة أخرى، لكني مش ندمان إني كنت الوحيد اللي قررت أكون مع المرضى في رحلة انتقالهم من الأقصر لمطروح".

 

الجريدة الرسمية