رئيس التحرير
عصام كامل

مجتمع نسوي بطبعه !


ساد اتهام المجتمع المصري والعربي بالذكورية خلال سنوات ما بعد ١١ سبتمبر ٢٠٠١؛ وسعى الغرب الأمريكي لنشر ما تسمى بثقافة حقوق الإنسان في العالم العربي؛ عقب اتهامه بتصدير الإرهاب جراء تغييب الديمقراطية داخله.


زعمي يستند إلى أن خيبة هذا التقدير أجدها في كون أبرز البلدان التي شهدت ثورات وحركات لإسقاط أنظمة؛ عقب سنوات من النشر الممنهج لنموذج الحريات المؤسس لثقافة إعادة بناء السياسي "المثالي" للمجتمع، حكمتها إرادة النساء ووجهت أنظمتها وإدارة السلطة والثروة بها، ووصل بهن الأمر حد اتخاذ خطوات نحو تغيير الدستور بغرض توريث الحكم في مصر للنجل المدلل؛ بجانب تقييد الأمل في حصاد الحقوق والحريات في بلد مثل تونس.

هنا وهناك؛ كانت المرأة المحرك الأساسي في عملية التغيير؛ ربما دون قصد نبيل من عينتها، في مقابل شريحة جديدة من النساء أدركن سبيلهن إلى الوجاهة الاجتماعية عبر العمل الأهلي والحقوقي المقترن بشعارات شكلت انقلابا في كثير من الأحيان على العقل؛ ليس بغرض خلق ثوابت جديدة يسير عليها المجتمع وإنما لغرض تجريف الأرض والفكر معا.

توصلت لتلك القناعة التي صغت معها مقدمتى المطولة وأنا أتابع نسوة منتميات إلى "يسار"لم يصدر رؤية إصلاحية واحدة في مواجهة نظام مبارك، يقومن بإجراء حوارات زائفة حول مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية والأسرة؛ وضعن في بنوده؛ أمام الجهات المانحة لمشروعات مؤسساتهن؛ مواد تجرم زواج الرجل عرفيا وتعاقبه بالحبس دون المرأة المتزوج منها.

نفس الانحياز المضحك؛ ظهر في حديثهن عن تمكين شامل للمرأة ومساواتها التامة بالرجل في فرص العمل مع إهدار قيمة هذا التوجه بتحميلها وحدها مسئولية رعاية الطفل حتى ١٨ سنة نكاية في الرجل، بخلاف رغبتهن في سلب الزوج بيته عند وقوع الطلاق ولو برغبة المرأة وإن لم تكن حاضنة؛ ثم يصدرن تلك التوصيات إلينا على أنها ثمار حوار مجتمعي ضم رجالا أكثر عددا من بنات جنسهن.

ولفت نظري بشدة تركيزهن على عقاب الرجل المتزوج عرفيا دون المرأة المتزوج منها؛ رغم أن علماء عندنا يرون صحة الزواج الشهير بالعرفي؛ مؤكدة بتوافر شروط واجبة لتحقق شرعيته؛ أبرزها عدم وجود موانع شرعية والإيجاب والقبول والشهود والمهر؛ والإشهار ولو كان محدودا مكتفين فيه بشاهدين، ولم يذكروا شرط التوثيق لتأكيد صحة زواج التصادق أو "العرفي".

وفى محاكم مصر؛ تقضى أحكام بالاعتراف بهذا النوع من الزواج حماية لحقوق المرأة التي شاركت الرجل إتمامه، فلا أزمة في التوثيق والاعتماد من قبل القضاء له؛ ولا عجب أن تجد أرملة تزوجت زواجا "شرعيا"؛ وقد فوجئت بزوجة "عرفية" لشريك حياتها "المرحوم" ظهرت فقاسمتها حصتها بتركته؛ بعد تداخلها بإعلام الوراثة أمام القضاء بعقد الزواج العرفي؛ وضم القاضى إياها ضمن الورثة الشرعيين الذين لا يعلمون عن سيرتها مع "الراحل" سوى ورقة وتوقيع شاهدين.

وكذا الحال؛ في أمر النسب وهى مسألة دافعت فيها كيانات نسوية عن متزوجات عرفيا اشتهرن باقترانهن بنجوم فن ومجتمع؛ لإثبات صحة الزواج ومعه صحة نسب الطفل نتاج هذا الزواج لأبيه، وهى أمور تؤكد جميعها بالضرورة دعم القانون الحالي بسلبياته للنساء بغض النظر عن موقعهن كشريكات في زواج مشرعن بقول المشايخ وحكم القانون والقضاء؛ تريد ناشطات تحويله إلى جريمة يعاقب فيها أحد طرفي اتفاقها؛ فقط لأنه رجل، واعتبار دحرهن لهذا الجنس مكتسبا نسويا مهما.

وظاهرة الزواج العرفي التي انتشرت في مصر مع تعديل تشريعي منذ نحو ٤ عقود؛ يمنح الزوجة الأولى حق التطليق للضرر مع احتفاظها بكافة حقوقها الشرعية حال زواج شريك حياتها بأخرى؛ لا يمكن قياسه أو رصده إحصائيا دون اقتراب أحد طرفيه أو لجوئه للقضاء لتوثيقه، وعليه يمكن مراجعة تقارير جهاز الإحصاء وحده بشأن عدد من سعوا لتوثيق زواجهن العرفي، كما تجوز السخرية والاستهزاء بتقديرات بحوث منظمات أهلية أو أكاديميين ركزت على "عينة" مجتمعية وفقط؛ بشأن أرقام حالات الزواج العرفي في مصر؛ حيث الإشهار المحدود له وسرية أغلب حالاته.

والحقيقة أن وراء انتشار هذا النموذج من الزواج محدود الإشهار؛ فشل منظومة الزواج التقليدي في مجتمع حكمته أعراف بالية وفشلت في ضبط نواته الأساسية قوانين مرقعة بإرادة أنظمة سابقة وجهت تشريعات برلماناتها في خدمة صعود نجم "السيدة الأولى"، دون النظر إلى عمق المشكلة ودراسة متأنية لأسبابها المختلفة بتنوع خلفية المقبلين على هذا الزواج بشتى مسمياته؛ سياحى؛ مسيار؛ متعة.. إلخ.

كذلك انعدام ثقة البعض في البنية التشريعية لقوانين الأسرة ككل؛ والتي جعلت التطليق حقا لأطراف متعددة بعيدا عن قاعدة "العقد شريعة المتعاقدين"؛ فمنحت هذا الحق جملة للرجل والمرأة والقاضى وربما المحضر أيضا الذي بيده كافة الإجراءات السابقة على النطق بالأحكام؛ في ضوء قانون المرافعات الحالي الذي ينادى الكافة بضرورة تعديله.

وأسهمت امتيازات عديدة للمطلقات؛ بينها ما يمثل قيدا عليهن؛ في لجوء بعضهن للزواج عرفيا بغرض الاحتفاظ بمعاش الأب أو عدم التنازل عن حضانة الطفل لأبيه حال غياب أم تنتقل إليها حضانته صوريا؛ وهو ما يجعل رؤية المنادين بقانون جديد للرعاية المشتركة والمعايشة لأطفال الشقاق بين الأبوين ضرورة ملحة لصون كرامة المرأة وعدم خداعها وإفقادها سنوات شبابها تحت مزاعم التضحية؛ أو إجبارها على الزواج السري.

تمصير التجارب والخبرات الأكثر نجاحا في العالم؛ بطريقة ناشطات عندنا؛ يهدر مباديء مهمة أبرزها العدالة والمساواة؛ حينما تناقش قضايا حقوقية حساسة برؤية جندرية منحازة تسهم في تدمير جنس مروجاتها اجتماعيا ونفسيا؛ وتهدر قيما عليا أرستها العقائد المختلفة والمواثيق الدولية المتفق عليها إنسانيا، وإلى أن يقضى الله أمره بينهن وبينهم؛ سيظل الحال على ما هو عليه في منظومة الزواج وقضايا الأحوال الشخصية طالما دعمنا سن قانون قاصر معلومة ثغراته..

وظللنا رافضين لتحرير عقود الزواج من العادات والتقاليد والاجتهادات القديمة وشروط الإذعان؛ ولم نترك لطرفيها صياغة بنودها دون تدخل من أية جهة؛ طالما لم يخالفا فيها نصا ولم يهدرا بها حقا ولم يعطلا تطورا طبيعيا للجنس البشري المظلوم عادة في مجتمع الزواج العربي.
الجريدة الرسمية