رئيس التحرير
عصام كامل

السياسة الخارجية تبدأ في الداخل.. ريتشارد هاس يطالب واشنطن بإعادة ترميم البيت الداخلي الأمريكي..الصعود الصيني والتغير المناخي والإرهاب وإيران "النووية" وكوريا الشمالية أبرز التحديات

رئيس مجلس العلاقات
رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي ريتشارد هاس
18 حجم الخط

لا تنقطع السجالات الفكرية في مراكز الأبحاث الأمريكية منذ أكثر من عقد كامل حول قضية استمرار الولايات المتحدة كقطب عالمي أحادي، وتفردها كقوة عالمية منفردة مع إعادة تشكل النظام العالمي، وحول ما يجب على واشنطن القيام به في الداخل والخارج لاستمرار قيادتها للعالم خلال القرن الراهن. 
وأصدر السياسي الأمريكي ورئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، ريتشارد هاس، مؤلفه الجديد مطلع الشهر الجاري، والذي حمل عنوان: "السياسة الخارجية تبدأ في الداخل: قضية إعادة ترميم البيت الأمريكي"، يتناول فكرة أساسية تقوم على أن حروب أمريكا المقبلة ليست في الخارج وإنما في الداخل، لأن السياسة الخارجية الأمريكية الجديدة يجب أن تنطلق من مرتكزات جوهرية تعتمد استراتيجيات طويلة المدى لإعادة ترميم البيت الأمريكي من الداخل. 
ويقول هاس في مقدمة كتابه الجديد، إن قضايا الصعود الصيني والتغير المناخي والإرهاب وإيران "النووية" والاضطرابات في الشرق الأوسط وظهور كوريا الشمالية العدوانية النووية تمثل أبرز التحديات الراهنة أمام سياسة أمريكا الخارجية، لكن الأمن القومي الأمريكي يعتمد أكثر الآن على التخلص من عجز الموازنة وزيادة الديون، معالجة البنية الأساسية التحتية وتقويتها، تعزيز النظام الدراسي الأمريكي، وتحسين نظام الهجرة.

ويؤكد هاس على أن متغيرات القرن الـ 21 تجعل السياسة الخارجية تبدأ في الداخل حيث تتميز عناصر القوة الآن بالتشتت نتيجة للعولمة، الثورات التكنولوجية، صعود وهبوط بعض القوى الجديدة داخل النظام العالمي الجديد، وتخلق معها عالما غير قطبي، أي لا يعتمد على القطب الأمريكي الذي يبقى الأكثر تأثيرا لكنه ليس مهيمنا.. فكل ذلك يحتاج إلى استراتيجيات بعيدة المدى لا تقوم على أن الولايات المتحدة لديها تهديدات مباشرة لأمنها القومي من الخارج، وإنما لديها مشكلات داخلية تحتاج الترميم والعلاج والسياسة الخارجية الأمريكية الجديدة يجب أن تنطلق من إعادة ترتيب الداخل أولا؛ ويعتقد هاس أن على واشنطن تجنب الدخول في حرب أخرى لأنها سوف تهدد الأمن والرخاء الأمريكي، ولأن الأخطار التي تهدد الأمن والرفاهية الأمريكية ليس مصدرها الخارج بل مصدرها الداخل ذاته .
ويقول هاس: "بعد خوض الولايات المتحدة حروبا دامية في كل من أفغانستان والعراق في العقد الماضي، وإنفاق أكثر من 2 تريليون دولار، تحتاج لرسم سياسة خارجية جديدة تحد من مشاركتها في الحروب الخارجية والتدخلات الإنسانية، لتركز على استعادة الأسس الاقتصادية للقوة الأمريكية . 
ويرى أن الولايات المتحدة شاركت في بعض الحروب الخارجية التي بدون أغلبية ساحقة من الأمريكيين، وفشل الرئيس السابق، جورج دبليو بوش، ومستشاروه والمخططون الاستراتيجيون في الحفاظ على اعتبارات التوازن بين الدخول في مثل هذه الحروب والاستمرار في تقوية أواصر القوة الأمريكية. 
ويضيف هاس: "أدت هذه الحروب التي لم تكن ضرورية إلى تأخر الولايات المتحدة عن غيرها في بناء أسس القوة في القرن الواحد والعشرين، فالصين على سبيل المثال تتبني مقومات أسس اقتصادية للقرن الراهن، فوزعت أكثر من 5 مليون عامل في الدول النامية التي كان معظمها حتى وقت قريب ضمن العالم الثالث، وتعمل بقوة لفتح أسواق مختلفة لصناعاتها المزدهرة، حتى إنهم يخططون لإنشاء أكبر مركز تجاري في منطقة البحر الكاريبي. 
وتشير التوقعات إلى أن الناتج الإجمالي للصين سوف يتجاوز الولايات المتحدة بحلول عام 2016 كما يقول صندوق النقد الدولي أو عام 2019 وفقا لصحيفة الإيكونوميست، إذ ينمو الاقتصاد الصيني بنسبة 8% سنويا، فيما ينمو الاقتصاد الأمريكي بنسبة تقل عن 3%. 

ويشرح الخبير الأمريكي بعض أوجه تراجع مقومات الدولة الأمريكية القوية، والتي تستلزم علاجا فوريا، ومنها تهالك وتقادم البنية التحتية والتي لم يجر تطوير أجزاء مهمة منها منذ خمسين عاما، الأزمة المالية، زيادة حجم الديون الأمريكية الداخلية والخارجية، استمرار العمل بنظام للهجرة عفا عليه الزمن وحان الوقت لتجديده، وعلاج الاختلالات الوظيفية والإدارية في العديد من القطاعات الحكومية، هذا فضلا عن تحسين صورة أمريكا في الخارج مرة أخرى. 

لكن هاس يؤكد أن ذلك لا يعني موافقته على فكرة "الانعزالية" الأمريكية لأنه يجب عليها أن تستمر في القيادة العالمية وتحافظ على مكانتها في القرن الـ 21 على أن يتم ذلك عبر وصفة علاجية تقوم على استراتيجيات كبرى تعيد قوة جبهتها الداخلية. 
ويضرب هاس مثالا على ذلك مجال الدفاع، فيعود إلى دراسة أعدها مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن، والتي حملت عنوان "ما وراء الحرب الأخيرة"، وتشير إلى ضرورة تعزيز قدرات القوات البرية الأمريكية وقياس المخاطر بدقة ومعرفة التحديات المستقبلية الخاصة بالقيادة المركزية الأمريكية، بحيث يكون لها دور على مسرح الأحداث في الشرق الأوسط والمحيط الهادئ، كما تتحدث عن ضرورة قيام وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" بتحديد ماهية الحروب المستقبلية، وتحديدا الحروب الإلكترونية، الإنترنت والتجسس، وهو ما يعني أن الدبابات والطائرات لن تحسم حروب بعد اليوم.
وتقول دراسة مركز الدراسات الإستراتيجية أن خمسة عوامل تحدد مسار ومصير تطوير القوة المسلحة الأمريكية التي يجب أن ترتكز على قوات برية مجهزة بأحدث التقنيات، القوات الخاصة التي تعمل على التدخل السريع، تطوير القوات البحرية، فهذه جميعا تستلزم قدرات كافية لمواجهة التحديات المختلفة والمستقبل الغامض لأنماط الحروب الجديدة، ويجب أن تعتمد أي استراتيجية أمريكية على سرعة وضع تصورات مسبقة حول المخاطر وطبيعتها، الاستجابة الإنسانية، توزيع أنشطة الدعم المواتية، تعزيز عمليات السلام في بنائه وحفظه، والاعتماد بدرجة محدودة على الحملات العسكرية التقليدية. 

وتفترض هذه العناصر عدم التدخل العسكري إلا وفق خطط استراتيجية واضحة، إذ تشير خبرة كافة الحروب الأمريكية السابقة، كما يقول وزير الدفاع السابق روبرت جيتس، أن الأمر حينما يتعلق بالتنبؤ حول دخولنا في حروب مسلحة منذ حرب فيتنام، فإن سجلنا رائعا فلم يكن لدينا أدنى فكرة عن أي حرب أو مهمة كبرى قبل عام على الأقل من تنفيذها. 
ويعدد جيتس الحروب الأمريكية ونتائجها وفق هذه الزاوية، فالحرب الكورية من عام 1950 إلى عام 1954 (انتهت بالتعادل)، وفيتنام من عام 1959 إلى 1975 (هزيمة)، وجمهورية الدومينيكان 1965 (نصر)، وبيروت 1989 (هزيمة وانسحاب بعد مقتل 241 من قوات المارينز و58 من الجنود الفرنسيين بعد هجمات بقنابل من "الإرهابيين"، وحرب جرينادا 1989 (انتهت بانتصار بعد ثلاثة أيام من الهزيمة في بيروت)، وحرب الخليج الأولى 1991 (انتصار)، والصومال 1993 (هزيمة)، وهايتي 1994 (نصر)، والبوسنة 1994 و1995 (نصر) وكوسوفا 1999 (نصر)، وما تزال الحرب في أفغانستان مستمرة منذ عام 2001 وحتى الآن، أما العراق من عام 2013 إلى عام 2011 (انتهت بخسارة). 

خلاصة ما سبق أن أحد أبرز رموز الدبلوماسية الأمريكية في العقدين الأخيرين يرى أن التهديد الحقيق للأمن القومي الأمريكي لم يعد في الخارج بل الداخل الأمريكي الذي يحتاج إعادة ترميم متعدد الأبعاد، وهي رؤية مهمة لأن هاس يشغل منصب رئيس مجلس العلاقات الخارجية منذ عام 2003، وشغل قبل هذا التاريخ مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية، وكان مستشارا أول لوزير الخارجية الأسبق كولن باول. وعمل خلال الفترة من عام 1989 إلى عام 1993 مساعدا خاصا للرئيس جورج بوش، والمدير الأول للعاملين في شئون الشرق الأدنى وجنوب آسيا في مجلس الأمن القومي الأمريكي.
الجريدة الرسمية