عباس العقاد يكتب: أكره الهزيمة
في مجلة الهلال عام 1947 كتب الأديب عباس محمود العقاد مقالا قال فيه:
هل يعرف الإنسان نفسه؟ كلا بغير تردد، فلو عرف الإنسان نفسه لعرف كل شيء في الأرض والسماء، وفى الجهر والخفاء ولم يكتب ذلك لأحد من أبناء الفناء. إنما يعرف الإنسان نفسه بمعنى واحد وهو أن يعرف حدود نفسه حيث تلتقى بما حولها.
والفرق عظيم بين معرفة النفس ومعرفة حدودها، لأننا نستطيع أن نعرف حدود المكان، لكن لا يلزم أن نعلم خباياه وخصائصه وماضية، وقد عرفت أننى أثق بنفسى واعتمد عليها.
كنت في طفولتى أحب مراقبة الطير والحيوان، وكان فضاء بلدى أسوان يمتلئ بأسراب الطير المهاجرة إلى أفريقيا، وقد حدث أن تتبعت سربا منها وهو يحط على الأرض ويرتفع حتى ضللت الطريق في الصحراء ذات مرة.. فلما سئلت وأجبت كانت إجابتى أضحوكة الكبار والصغار.
وأقيم لقريب لى عرس في دار ذات فناء رحب، وأصبح أهل القرية حول المشاعل يصفقون ويهللون، وكنت في التاسعة وخرجت من الدار أتطلع إلى السماء على الكواكب وهى تسرى فيها، وبحث أهلي عنى وفجأة وجدتهم أمامى يحملون المشاعل وعندما سألونى لماذا خرجت، وأجبت بأن الكواكب هي السبب راحوا يقهقهون.
إذا نحن لا نتفاهم وخير لى أن انطوى على نفسى لأسلم من الضحك والسخرية منى بعدم البوح بما في نفسى إلى أن يهدينى الله.
وإذا بى أقع على جزء قديم من جريدة المقتطف الذي صدر عام 1899 وإذا بى إقرأ فيه أن مراقبة الطيور كانت شغل شاغل لبعض العلماء والرحالين.
وقد علمت أن الناس تغيظهم المزايا التي ننفرد بها ولا تغيظهم النقائص التي تعيبنا، فقد يرضيهم النقص الذي فيك لأنه يكبرهم في رأى أنفسهم والعكس.
وأعجب ما عرفته من أمر نفسى أننى أسيء الظن بالناس، لا أن أحسن الظن بهم.
وعرفت أننى من أعجز الناس في رفع حاجز واحد يقام بينى وبين إنسان خاصة حاجز الكلفة والأعراض، وعرفت أنى أكره الهزيمة.
وأعرف أن العادة قوية السلطان على سليقتى ولا تعصمنى منها إلا الثورة النفسية وأشدها ثورة الكرامة.
وأكره الظلم حين أكره الظالم، والشر حين أكره الشرير، ولهذا يفوتنى أحيانا أن افرق بين كراهة المبدأ وكراهة صاحب المبدأ.

