فتحي غانم يكتب: ابحث عن الأمل دائما
في مجلة روز اليوسف عام 1960 كتب الكاتب الصحفى فتحى غانم مقالا قال فيه:
كنا نحلم في صغرنا بالأعمال الكبيرة التي سنحققها عندما نكبر ونصبح رجالا، كان بيننا من يتمنى أن يكون جراحا أو قائدا في الجيش أو فنانا عالميا أو مهندسا يبنى عمارة أضخم من هرم خوفو.
وتمر الأيام فنجد أن الخطط والترتيبات التي نعدها لتحقيق أحلامنا تعترضها ظروف تغير مستقبلنا وقد تقلبه رأسا على عقب، فالذي كان يتمنى أن يكون جراحا أصبح ممرضا في مستشفى، والذي كان يحلم أن يكون قائدا في الجيش تحول إلى تاجر يبيع الجبنة الرومى.
وإذا كنا نستطيع أن نتحمل خيبة أمل أحد الأفراد إلا أننا لا نستطيع أن نترك أمة بأسرها تحلم وتخطط وتضع الترتيبات لمستقبلها ثم تعترضها بعض الظروف فينقلب هذا المستقبل رأسا على عقب.
إن الفرد الواحد الذي يفشل في أن يحقق حلمه بأن يكون جراحا سيحل محله عشرة أفراد آخرون يستطيعون تحقيق هذا الحلم.. لكن أمة تفشل في تحقيق حلمها فلن تجد تعويضا عن هذا الفشل لأنها لا تستطيع أن تقنع بنجاح أمة أخرى غيرها.
ما دعانى إلى قول ذلك أنه أصابني الخوف أثناء قراءتى خلال إقامتي بالإسكندرية كتاب أرنولد توينبى المؤرخ الإنجليزي الذي يقرر فيه عن يقين أنه لا فائدة من المحاولات التي تقوم بها بعض الدول لأن تضع لنفسها نظاما سياسيا خاصا بها تستمده من ظروفها الخاصة ومن بيئتها المحيطة.
هي نفس المحاولة التي تقوم بها مصر، لا فائدة من هذه المحاولة في رأي توينبى إلا أن هذه الدول مضطرة إلى الاستعارة من الدول الغربية فهى إن أرادت إدارة هذه المصانع عليها إرسال بعثات لتعلم الخبرة الغربية وهكذا.
يعتقد توينبى أن هذه الاستعارة من الغرب سيكون لها الكلمة الأخيرة في دفع البلاد المستعمرة بالطابع الغربى في نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وستضطر البلاد المستوردة للآلات إلى أن تستدل على ذلك بأنه في اتباع ما يشبه نظام الدول التي صدرت الآلات ويستدل على ذلك بأنه في وجود الآلة الحديثة في الشارع أو وسيلة النقل الحديثة غيرت صورة الشارع ووضعت له نظاما جديدا بعد أن كانت الوسيلة السير على الأقدام أو ركوب الدواب مثلا.
إن رأى توينبى أنه لا فائدة من المحاولات يحمل خطأ أساسى ولكن هذا الخطأ إلى حد ما مفيد لنا، فهو ينبهنا إلى ما تسببه الآلات التي نستوردها من أخطاء.. وهى أننا لن ننطلق من داخل أنفسنا وإنما نعيش حياة سطحية كلها تقليد للغير.
لكن إذا أخذنا حذرنا فأخذنا طريق الاستعارة عن الأجانب والاستفادة من كل ما عندهم دون أن يؤثر ذلك في شخصيتنا.
وتجارِب التاريخ تقول إننا نستطيع ذلك فقد استعار العرب نظام الإدارة في الجيش من الفرس واستعارة المنطق من اليونان وظل العرب هم الأقوى.
