رئيس التحرير
عصام كامل

أحمد بهاء الدين يكتب: صورة مصرية

أحمد بهاء الدين
أحمد بهاء الدين
18 حجم الخط

في مجلة روز اليوسف عام 1955 كتب الكاتب القدير أحمد بهاء الدين مقالا قال فيه:

سيارة الأتوبيس ساعة الظهر.. الحر الخانق والناس ملتصقون من الزحام يتثنون كالبهلوانات، فيهم الموظفون المجهدون وسيدة حامل وأخرى تجر طفلا وبنات يحملن أكياس شملا وشيكوريل، والكمسارى يصفر، وراكب آخر في السيارة يطلب باقى الفلوس وأصوات الكلاكسات في الطريق متشابكة.


وفجأة يرتفع من وسط الزحام صوت حاد جدا تبدو كل هذه الضجة إلى جانبه وكأنها أنغام خافتة تصاحب حنجرة مغن كبير (يا عباد الله تبرعوا لبناء مسجد شيرا، قرش واحد تدخل به الجنة الحور والولدان وجنات الخلد بقرش صاغ واحد).

وركاب السيارة في هذه اللحظة ليسوا في حالة نفسية تسمح لهم بسماع خطبة طويلة، فقد يكون صاحب الخطبة نصابا سيجمع المال في جيبه، أو هم لايقتنعون أن قرش واحد يدخلهم الجنة في حين أنهم دفعوا للكمسارى قرش صاغ أيضا ليوصلهم إلى بيوتهم والزحام يعوقهم.

وينتظر الخطيب جولة فلا يجد يدا تمتد إليه بالقرش.. فكل الأيادى مشتبكة بسقف الأتوبيس لكنه لا يتوقف وما زال ينطلق بصوته المجلجل يلقى خطبة طويلة حافلة بالسجع وأبيات الشعر والأمثال.

وتمضى السيارة بضجيجها والكمسارى يتشاجر والخطيب ثابت لا يكف عن الكلام، ويضيق الناس به فليس هذا هو المكان الملائم ولا الزمان الملائم لهذا الغرض، واختيار الوقت المناسب للكلام نصف الفصاحة ولكنه لا ينزل عن منبره إلا في اللحظة التي يختارها واللحظة التي يرتضيها.

هذا الرجل لو جاء في عصر آخر غير هذا العصر لكان من المحتمل أن يكون زعيما خطيرا له مؤهلات الخطيب الناجح.. حنجرة قوية وصوتا نافذا ولسانا لا يتعب لكنه لسوء الحظ جاء في عصر متأخر.. جاء في عصر يعرف المطبعة والميكروفون وغيرهما من الأدوات التي جعلت العقل أعلى صوتا من الحنجرة، والفكرة الهادئة أقوى منطقا من اللسان الحاد.
الجريدة الرسمية