نجيب محفوظ يكتب: الإنسان محكوم عليه بالحياة
التقى الصحفى عبد الله الطوخى بالأديب نجيب محفوظ وكان بينهما حوار نشرته مجلة صباح الخير عام 1966.
في البداية اتهم الطوخى معظم الأعمال الفنية التي ظهرت عام 1966 بالهبوط مع خط انكسار الحياة ووصل هذا الاتهام إلى رواية نجيب محفوظ "ثرثرة فوق النيل" التي بدأها برجل جف مداده من قلمه ومع ذلك ظل يكتب دون أن يدرى أن الحبر قد نفذ.
قال محفوظ: "لنترك روايتى الآن ولنتناول غيرها من الأعمال، وليكن المسرح الذي ينصب عليه الاتهام بوجه عام، مؤكدا هذا الاتهام لأننا لو تمعنا هذه الأعمال سنجد أنها غير مباشرة الأمر الذي يؤدى إلى سوء تأويل البعض، لكن هناك لحظات انتصار لكنها انتصار مستخلص من كآبة مقدمة.
والذين يرفعون الفن فوق مستوى الكآبة أو الألم، أو الاحتجاج لا يقيم الفن الجاد لرأيهم وزنا.. إنهم بصراحة يطرحون قضية الفن والثورة.
وأقول إن الشعور بالألم أو رغبة الفنان الدائمة في الاحتجاج لا تقف في القطب المضاد للثورة، وعلى العكس إنها رغبة في الكمال التي تبثها الثورة في النفوس.. الثورة التي تدعو دائما إلى التفكير الجاد والنقد الذي لا يرحم، ومواجهة الأمور بشجاعة للوصول إلى الكمال.
نحن لا نقتنع بالتفاؤل السطحى ولا بالتهليل بل نحن نطالب الأمور بأقسى ما فيها من إمكانيات وقدرات خلاقة لأننا نشعر أن تجربتنا الثورية يجب أن تتمخض عن نجاح ثابت وأكيد.
وبالنسبة للرجل الذي جف مداده في بداية روايتى كانت في البداية..لكن النهاية اختلفت، وقد أحسست وانا أكتبها على هذه الصورة أن أقول أن الإنسان محكوم عليه بالحياة وعليه أن يعيشها ويعيش كفاحها لكن هناك فرق بين أن يحيا الحياة بالحب، وأن نعيشها مضطرين.. مضطرين في الميلاد، وفى الموت.
وأضاف محفوظ: "ليس في الرؤية انكسار للحياة بل العكس تماما فإنها نهاية تؤمن بانتصار الإنسان والحياة".
قال الطوخى: لنذهب إلى المسرح في بير السلم والفرافير وسليمان الحلبى.
قال محفوظ: في بير السلم رأيناهم في النهاية يعيدون تشكيل أنفسهم، وفى الفرافير القضية اجتماعية إنسانية بين السيد والعبد وفى حاجة إلى حل، وفى سليمان الحلبى فنهايته بطولية بشكل واضح.
فنحن في فترة انتقال، وفى فترات الانتقال يصبح الإحساس بالخطر شعورا نبيلا يجب أن نباركه وهذا هو الموقف الواعى للسياسي الثورى.
ومن الممكن أن نهلل ببساطة لما حققناه من انتصارات غير إن التهليل الذي يصرفنا عن حقيقة الموقف لا أعتبره غير عمى، فليس كل شيء حولنا ممنهج فما زالت الركامات من القديم تقف في الطريق آلاف السنين تقاوم انطلاقتنا.. فهذه المؤامرات التي تحاك ضدنا في الداخل والخارج.
واختتم محفوظ حديثه بقوله كيف أحس بالطمأنينة وفى الداخل رجعية تتآمر إلى حد الإرهاب، وفى الخارج استعمار يدك المدن فوق رؤوس أهلها بسبب إنهم ينشدون الاستقلال والحرية، فلم يجد الفنان نفسه بعد في عالم كامل البهجة حتى نتهمه بالتشاؤم.
