رئيس التحرير
عصام كامل
Advertisements
Advertisements
Advertisements

متعودة.. دايما!


عاد "سرحان عبدالبصير" بطل مسرحية "شاهد مشفش حاجة" إلى بيته، بعد يوم حافل في جلسة المحكمة التي كان شاهدا أمامها في قضية قتل، قرر أن يستفيد من التجربة المريرة التي عاشها، تجربة الشاهد الذي لم ير شيئا، بأن يراقب كل المحيطين به، يحصي عليهم أنفاسهم، يسجل جميع التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو تافهة من وجهة نظره، لكنها تكون مفيدة للمقدم أحمد عبدالسلام. 


كتب في دفتر أحواله بالتاريخ والساعة والدقيقة، موعد حضور بائع اللبن، وأدار تحقيقا ساذجا مع البواب، عن سبب سقوط قطعة ملابس تخص الجيران في شرفة شقته، تابع جنازة تمر أسفل منزله، وسأل المشيعين عن المكان الذي سيذهبون إليه مع "المرحوم"، سجل كل الأحداث التي يراها أو يسمعها على مدار اليوم.

وعرض الدفاتر على رجل الأمن، الذي طالعها على عجل، ثم وجه الشكر لسرحان، وأثنى على جهوده، مطالبا إياه بالاستمرار في رصد كل ما يراه أو يسمعه، ولما سأل سرحان مندهشا عما يمكن أن يكون مفيدا في الدفاتر التي كتبها، قال له المقدم أحمد عبدالسلام، أن التفاصيل الصغيرة التي تحتويها تقاريره، تخضع للتحليل، ويتم ربطها مع معلومات أخرى. 

وضرب له مثلا، بمعلومة صغيرة ذكرها عن بائع اللبن الذي حضر إلى شقة سرحان في وقت محدد بالدقيقة والثانية، بينما سجل تقريرا من منطقة بعيدة جدا عن منطقة سكن سرحان، حضور نفس البائع في نفس الوقت تقريبا، وهو ما قد يشير إلى تنظيم ما، يستغل بائعي اللبن، الذين تمنحهم طبيعة مهنتهم حرية في التنقل دون لفت الانتباه، في نقل بضائع محرمة، أو تبادل تكليفات تنظيمية أو رسوم كروكية، لصالح تنظيم إرهابي!

فتح سرحان فمه دهشة، وشعر بمزيد من الثقة في نفسه وفيما يفعله، مما منحه حماسا فوق حماسه، وإصرارا وعزيمة أكبر على المضي قدما في مهمته، فراح يراقب ويراقب، يرصد ويكتب ويسجل، وأحيانا يصور أي شيء يراه مريبا أو لافتا، كتب تقريرا مطولا عن مشادة وقعت بين "شنكل" صاحب كشك السجائر، وواحد من الزبائن، بسبب علبة سجائر يبيعها "شنكل" بأغلى من سعرها، وسجل سرحان في تقريره أنه يشك في أن "شنكل" متورط في تنظيم يسعى إلى بيع السلع بأعلى من سعرها الرسمي، لتحريض المواطنين ضد الدولة، ونشر جو من الإحباط والسخط على الحكومة بسبب الغلاء.

وتناول سرحان في تقرير عاجل، واقعة ظهور ابن أشقر ذو شعر أصفر، للسيدة شوشو، الراقصة التي تسكن في العمارة المواجهة له، وأبدى تخوفه من أن تكون شوشو قد تجازوت مرحلة أنها "متعودة دايما"، إلى مرحلة إقامة علاقات غير مشروعة مع أجانب يحاولون تخريب البلاد، وهو ما جعله يطلب مقابلة عاجلة مع المقدم أحمد عبدالسلام، ليعرض عليه صور الابن المزعوم لشوشو، ومحاولة تحديد جنسيته، ليسهل على رجال الأمن تتبع الشبكة التي تعمل معها شوشو، وقد أعجب المقدم أحمد بذكاء سرحان وحسه الوطني.

أما الخبر العجيب الذي طيره سرحان إلى سيادة المقدم فور حدوثه، فهو عن الجنازة التي مرت من الشارع، وتابعها بنفسه، حتى وصل النعش إلى المقابر، وهنا فوجيء المشيعون بأن المرحوم يتحرك، ففروا جميعا، واعترف سرحان أنه هو نفسه فر معهم خوفا وفزعا من هول الموقف، واعتذر عن هذا الموقف، لكنه عالج خطأه بأن تقصى الأمر، وعرف أن عائلة المرحوم بررت ما حدث بأنه – رحمة الله عليه – أصيب بغيبوبة سكر، واختلط الأمر عليهم فظنوا أنه توفي، يضيف سرحان أنه لم يقتنع، وفكر في أن ما جرى قد يكون خطة لتهريب أحد المطلوبين للعدالة بطريقة مبتكرة لا يمكن أن تلفت الأنظار، لكن حركة هذا المجرم داخل النعش، وملاحظة المشيعين له، أفسدت الخطة.

حاول سرحان في مرحلة لاحقة أن يطور نشاطه، فلم يعد يكتفي بمراقبة تصرفات الناس فقط، بل بدأ يرصد مشاعرهم، فكتب عن أحزان فتاة تركها حبيبها بعد فشله في توفير نفقات الزواج، وقال إن الحزن لا يبدو فقط في وجه الفتاة الشاحب، لكن في نظرتها الساخطة كلما رأت موكبا لمسئول في الحكومة، ونجح سرحان في تصوير الفتاة وهي تشيح بيدها، عندما كان تليفزيون السوبر ماركت يبث جلسة مجلس الشعب.

كما وصف في تقرير آخر حالة عجوز خرج على المعاش ولم يعد يملك ثمن الأدوية، وقال إن العجوز – ذكر اسمه ثلاثيا – أطلق لحيته، زاعما أنه لا يملك ثمن ماكينة الحلاقة، كما برزت في جبهته فجأة علامة صلاة لم تكن موجودة من قبل، مما يرجح انضمامه إلى تنظيم إرهابي.

كتب سرحان عن زبائن جدد أصبحوا يرتادون المقهى، لا يحدثون أحدا، لا يلعبون الطاولة أو الشطرنج، لكنهم فقط يحمقلون فيمن حولهم، مما يثير الريبة في أمرهم، وأشار إلى اختفاء زبائن آخرين توقفوا عن ارتياد المقهى، معللين ذلك بأنهم لا يملكون ثمن المشروبات، وهو مبرر كاذب للتغطية على انشغالهم بالتخطيط لشيء ما، يضر الوطن وأهله.

كتب سرحان عن الأحبة الشاردين على كورنيش النيل، وقال إن بعضهم يكتب رسائل مجهولة، يضعها في زجاجات ويلقيها في النهر، مطالبا بسرعة التصرف ومعرفة مضمون تلك الرسائل، كتب عن الحزانى، وتوقع أسباب حزنهم وحللها وفسرها، عن المهزومين واصفا حالتهم، وراصدا بعض من عباراتهم التي تنشر اليأس والسخط، عن المحرومين الذين لا يكفون عن الحقد على الأغنياء، وعن الشباب الذين يحرضون أصدقاءهم على الهجرة، تمهيدا لتفريغ البلاد من أهلها..

كتب وكتب، وكان حريصا من البداية على أن يحتفظ بصورة من كل تقرير، حتى يستعين بها إذا ما تكررت تجربته الأولى واستدعي للشهادة أمام المحكمة، امتلأت الشقة بالتقارير، المكتبة، غرفة النوم، أسفل السرير، فوق الدولاب، رفوف المطبخ، حتى سيارته صار يحتفظ في حقيبتها بكميات من التقارير المفهرسة باليوم والتاريخ والساعة، لذلك، وبعد تردد طويل، كتب إلى المقدم أحمد عبدالسلام رسالة اعتذر فيها مقدما عما سيطلبه، ثم شرح الوضع، وحدد مطالبه في نقطتين:

أولا: أن توفر له الدولة بيتا أكبر، ملحقا به مخزن، يحتفظ فيه بتقاريره ورسائله.

ثانيا: ولأن انشغاله الشديد بكتابة التقارير ترتب عليه إهماله لعمله، وانقطاع مصدر رزقه، يلتمس من الحكومة توفير مرتب شهري يليق بخدماته العظيمة، حتى يستمر في خدمة الوطن.
Advertisements
الجريدة الرسمية