رئيس التحرير
عصام كامل

دين الحب (1)


منذ أيام نشرت إحدى الصحف حوارًا مع العالم المصري الكبير الدكتور أحمد عكاشة، رائد الطب النفسي في الوطن العربي، والشرق الأوسط، وإحدى القامات الشاهقة في العالم، قال الرجل كلامًا رائعًا عن التطرف والمتطرفين، والتشدد والإرهاب... إلخ، إلى أن تجرأ ومسَّ أحد التابوهات في عالمنا الإسلامي اليوم.. وخدش قضيةً يعتبرها معظم العلماء من المسلَّمات التي لا يجوز المساس بها، فضلًا عن نسفها من جذورها.. فناله هجوم كاسح، واتهامات لا آخر لها، بالجهل، والكفر، والعياذ بالله.


تلك القضية، التي تجرَّأ العالم الكبير على دحضها، هي "الحور العين".. تلك الفتيات، ملكات الجمال، التي ينتظرها كثير من الشباب المسلم في الآخرة.. الكارثة أن معظمهم يصلون ويصومون، من أجل الاقتران بالآلاف منهُنَّ.. هي الهدفُ الأوحد.. وبعضهم يفخِّخون أنفسهم، ويفجرون أجسادهم في الأبرياء؛ بهدف نيل الجنة، حيث تنتظرهن "حور العين".

أقوال مشايخ السلفية والوهابية هي التي غذَّت مثل تلك الأفكار الخاطئة، والأوهام، والخيالات، في عقول شباب الأمة.. أضرب مثلًا بقول الشيخ "عبد العزيز بن باز"، غفر الله له: "الحور العين نساء، لا يعلم مقدار حسنهن وجمالهن إلا الذي خلقهن، ولكنهن جميلات طيبات حسنات الأخلاق والسيرة، وإذا رآها المؤمن عرف حالها بعد ذلك.. إذا دخل الجنة رآهن وعرفهن، وعرف أخلاقهن وجمالهن، لكن الآن يُعرفن بإخبار النبي عليه الصلاة والسلام، وما ذُكِر عنهن في القرآن وأنهن حور عين، والحوراء البيضاء، جميلة وحسنة العين هذا من جمالها، وأما كمال جمالها يعرفه الإنسان إذا دخل الجنة".

التنظيمات الجهادية المتطرفة تتسم بمقدرة كوادرها على قتل أنفسهم وسط التجمعات، ومعظم الرسائل التي يتركها المنتحر تتحدث عن توْقه للقاء الحوريات اللواتي تنتظرنه في الجنة، وأن ما يفصله عنهن هو زر التفجير فقط وتحوله هو ومن حوله إلى أشلاء متناثرة.

هذا الانتحاري يقوم بالقتل الجماعي فقط من أجل أن يمارس الجنس مع امرأة في الجنة، لا يعرفها ولا يرتبط معها بأي رابط عاطفي أو نفسي أو حتى معرفة عابرة، إنه يريد الجسد واللحم ليفرغ رغبته الجنسية، ثم ينتقل إلى حورية أخرى غيرها، حيث إنه موعود بسبعين امرأة، وأحيانًا بآلاف النساء، كمكافأة له باعتباره شهيدًا.

إنه القتلُ مقابل الجنس، هكذا هي الصفقة، أما عن الأطفال والنساء واليتامى والثكالى والأحزان والدمار، فتلك أمور لا تعنيهم أبدًا، وهي ليست من شأنهم!

لا أملك أن أشكِّك في صحة الأحاديث النبوية التي رويت عن الحور، والكواعب، والأتراب.. لا سيما أن القرآن الكريم تحدث عنهن، لكن ألا يستحق الله، جلَّ وعلا، أن يُعبد لذاته؟! ألا يستحي من يعبدون الله من أجل "الحور"؟!

ديننا هو دينُ الحبِّ.. لا دينُ الجنس.. ومن يعبد الله رغبةً في "الحور" والمتعة الجسديَّة، عليه أن يراجع عقيدته، فهي مشكوكٌ في سلامتها، ونقائها.

يفوز من يعبد الله لأنه الله سبحانه.. ويفوز من يعبد الله اتباعًا لرسوله، صلى الله عليه وآله، وسلم، وحبًّا له، ولآل بيته، الطيبين الأطهار.

جماعةُ "الحشاشين" طبقت المفاهيم الدنيوية، والجنسية نفسها، من أجل تنفيذ أغراضها الخبيثة.. أقامت تلك الجماعة "قلعة آلموت"، وكانت تصوّر الجنة لأتباعها على أنها عبارة عن حشيش ونساء، وكانوا يسقون الشخص الذي ينوون تجنيده خمرًا وحشيشًا حتى يذهب وعيه، ثم يأخذونه في نزهة بين حدائق أقاموها خصيصًا لهذا الغرض، وقد انتشرت فيها الحسناوات، ويُوهمونه أنه في الجنة، وتلك النسوة هن الحور.. وبعد أن يفيق يسألونه عما شاهد في منامه.. وهو مقتنع تمامًا أنه عاش رؤيا صادقة، ورائعة.. ومن ثمَّ يسارع بتنفيذ العملية الانتحارية التي يأمرونه بها.

بهذه الطريقة شاع أمر "الحشاشين"، وانتصروا على الكثير من الحكام، وهددوا أقوى الدول، حتى كادوا يطيحون بصلاح الدين الأيوبي، نفسه، حتى اضطر لمُهادنتهم.

إلى هذا الحد تأخذ الرغبة في نكاح "الحور" بالألباب، لا سيما لدى الشباب.. ولهذا أصيبوا بصدمة مروعة، وهاجموا الدكتور أحمد عكاشة؛ لأنه هدم أحلامهم، ونسف تفكيرهم، وحرق الصورة التي رسموها للجنة.

مسكين شبابنا هذه الأيام.. تمكن المتطرفون من تفكيره، ورسموا صورة شائهة للدين، زرعوها في مخيلته، ونَقشوها في عقله.
ديننا ليس هكذا.. لا عنف.. لا دماء.. لا شهوة.. لا متعة حسية.. لا ماديات.. إنه دين الحب لله ولرسوله، وآل بيت رسوله.
الجريدة الرسمية