رئيس التحرير
عصام كامل

رجاء النقاش يكتب: فنان من نوع خاص

فيتو
18 حجم الخط

في مجلة الدوحة عام 1985 كتب الصحفى رجاء النقاش مقالا قال فيه:


"غادر يوسف إدريس القاهرة للعلاج في لندن وخلال هذه الفترة لم نقرأ شيئا لهذا الطائر الغائب عن أهله وعشه، وقد عاد ليعيش من جديد في قلب المدينة الكبيرة التي عبر عنها في قصصه الرائعة التي كشف فيها عن أحزانها وهمومها وأفراحها العميقة أيضا".

وتابع: "كنت أتمنى أن تهتم حياتنا الصحفية والفنية عموما بمرض يوسف إدريس وبسفره وعودته وشفائه كما تهتم بمرض عبد الحليم حافظ وسفره وعودته. فعبد الحليم حافظ ثروة قومية ندعو الله أن يحفظه لنا، ولكن يوسف إدريس هو أيضا ثروة قومية كبيرة ينبغى علينا أن نعتز بها كل الاعتزاز".

وأضاف "النقاش": "هو واحد من القلائل الذين لا يمكننا أن نعرف مصر أو نفهمها بدون قراءة أدبه وفهمه، ويوسف إدريس فنان من نوع خاص، وهو نوع نادر وأصيل.. هو يعيش الحياة التي يكتب عنها بكل عواطفه وأعصابه، وأكاد أقول دون أي مبالغة: إن الكلمة التي يكتبها يوسف إدريس هي قطرة من دمه، أو هي جزء من جسده".

واستطرد في مقاله: "أنه إنسان لا يتفرج على الحياة ولكنه يعانيها بعنف وقسوة، وبقدر ما أشعر بالسعادة والمتعة في قراءة أدب يوسف إدريس فإننى أشعر أحيانا بالخوف لقسوة ما يقدمه إلينا هذا الفنان وعنفه ومرارته في بعض الأحيان.. والقسوة والعنف والمرارة في فن يوسف إدريس هي كلها ثمرة للصدق من النفس ومع الناس ومع الحياة، ولأنه صادق إلى الحد المر القاسى فهو يتعذب دائما بكتابته ويتعذب في هذه الكتابة".

وواصل: "من أجل هذا تعرض إدريس للمرض والتعب العصبى ثم تعرض أخيرا لأزمة صحية عنيفة سافر بسببها إلى مستشفيات لندن وكان أول لقاء لى مع يوسف إدريس عام 1952 في مكتب صديقنا عبد الرحمن الخميسى في جريدة (المصرى) وكنت أيامها في السنة الأولى بكلية الآداب، أما هو فكان حديث التخرج من الطب".

وأردف: "قرأت له قصتين قصيرتين شعرت فيهما بميلاد موهبة فنية جديدة في بلادنا، وقد لفت يوسف نظرى في لقائنا الأول بشبابه وقوته ووسامته وأناقة مظهره وكان وجهه يتفجر بالصحة والحيوية. من يرى يوسف إدريس لأول مرة لا يتصور أن مثل هذا الإنسان يمكن أن يحس بالقلق أو العذاب. أنه يوحى دائما بالطمأنينة والرضا عن الحياة".

واختتم مقاله قائلا: "أن الآلام الخاصة وحدها لا تصنع فنانا كبيرا ولا تثمر فنا عظيما، فالفنان الكبير والفن العظيم ينبعان من الآلام العامة، والمشاركة في هذه الآلام والإحساس الصادق بها.. ويوسف إدريس واحد من هؤلاء الفنانين الكبار الذين يحسون بالآلام العامة وكأنها آلام شخصية خاصة".
الجريدة الرسمية