رئيس التحرير
عصام كامل

محمود السعدني يكتب: اكتشفت إني دخلت الأربعين

محمود السعدنى
محمود السعدنى
18 حجم الخط

في مجلة صباح الخير 1967 كتب محمود السعدني مقالا قال فيه:

"حمدت الله على النحافة والهيافة وها أنا بفضلها ما زلت الولد الشقى.. كان أصحابى ينظرون إلى الحياة بنظارات بيضاء، وهشم الروماتيزم عظمهم ولدغهم الصلع الرهيب.. أنا وحدى من بينهم أمثولة العصر.. كأنى بقايا نقوش من عصر مضى لم يمسها شر هكذا كنت أيها الأصدقاء منذ شهور..

فجأة اكتشفت أننى دخلت الاربعين في الشهر اللعين.. فالأربعون هي قمة السطح وبعدها الدحرجة.
 
ومن المهد إلى الأربعين هي رحلة صعود نحو القمة، ومن الأربعين إلى اللحد هي رحلة هبوط إلى حفرة في سفح الجبل.

أنت من الأربعين يا مسكين لست ملكا لنفسك لكنك ملكا للحانوتى والمقرئ والورثة، أنت في الأربعين ماض ولست مستقبلا، وأى مستقبل يكون للإنسان إذا كانت النهاية القريبة مع الدود الظلام.

صدمتنى نوبة كآبة ليس لها مثيل أنا اللى طول عمرى مظهرى خادع، البسمة على وجهى والدمعة تنحدر على قلبى.. في أعماقى حزن دفين يكفى عشر مناحات في ساقية مكى.

أنا هذا الولد أصبح ظهرى مثل بطنى، البسمة ماتت على شفتى لا أدرى لماذا، ذاكرتى انهارت فلم تعد تذكر شيئا.. لكن الحمد لله لأننى حتى الآن لا أنسى أن أول الشهر هو يوم قبض الفلوس، ولم أنس حتى الآن أن بيتى في الجيزة.

بعد الذاكرة جاء الدور على شعرى.. شعرى راح يتآكل كأنه فروة خروف جربان جلد رأسى راح يلمع تحت الشمس كأنه سلطانية زبادى صينى مكسورة وملقاة على كوم زبالة في خرابة.

انقلب الحال.. الأكل اللى كان لذة أصبح لعنة.. إذا أكلت ليلا لا أنام والشراب الذي كان متعة أصبح نقمة.. الليل كان سميرى أصبح عدوى اللدود.. إذا سهرت ليلة نمت من المغرب كالفراخ عشرة أيام.. الهزار لم أعد أطيقه وصعود السلم لم أقدر عليه.. إذا استيقظت احتجت أن يدلكنى أحد.

الشيء الأكيد أنى عجوز الآن أتوكأ على عصى من أحاسيس وعلى عينى نظارات غير مرئية وذكرياتى كلها الآن عن أيام الشقاوة وأصدقائى هم زملاء الطفولة.. في كل صباح أنظر في المرآة أجدني ازددت صلعا وقلة قيمة".
الجريدة الرسمية