رئيس التحرير
عصام كامل

مستشفى «سان ماري»: الإنسان أولا.. قصة دار الطالبات التي أصبحت صرحًا يخدم فقراء قنا.. الهلال والصليب يتعانقان لتخفيف آلام المرضى.. سمير وردخان: المريض أضعف المخلوقات ويستحق منا معاملة خاصة

مستشفى سان مارى قنا
مستشفى سان مارى قنا
18 حجم الخط

في عمق الكتلة العصبية المعروفة بمنطقة “حوض عشرة”، التابعة لقبيلة الحميدات، يقع مستشفى سان ماري التخصصي الخيري، الذي أسسه الأنبا شاروبيم أسقف مطرانية الأقباط الأرثوذكس بقنا وقفط، وتوابعهما، عام 1998، بعد زيارة لمستشفى قنا العام، شاهد خلالها الكثير من المرضى يتألمون لعدم وجود أسرَّة تكفيهم.. عاد إلى المطرانية، وهو يفكر في عمل شيء يخدم به مرضى المحافظة، فما كان منه إلا أن اتخذ قرارًا بتحويل سكن الطالبات إلى مستشفى خيري، بتبرعات من أبناء الكنيسة يخدم بها المسلم والمسيحي معًا، دون تفريق أو تمييز.


“فيتو” زارت مستشفى سان ماري التخصصي الخيري، الذي وافق مديره الدكتور سمير وردخان على فتح أبوابه لنا، رغم رفضه الدائم السماح لوسائل الإعلام المرئي والمسموع، وحتى الديني، بالدخول.

الهلال والصليب
في مدخل المستشفى توجد لافتة تحمل اسم المستشفى يتوسطها الهلال والصليب معًا؛ لتعيد إلى الأذهان مشهد الوحدة الوطنية الذي يسعى الكثيرون إلى تمزيقه، وعلى سلالم المستشفى توجد صورة السيدة مريم العذراء، بالإضافة إلى صيدلية خاصة، وعيادات الكشف بجميع التخصصات.

في البداية، استقبلنا الدكتور سمير وردخان، مدير المستشفى، الذي قال: "هنا لا توجد تفرقة أو تمييز بين أبناء الوطن، فالجميع هنا يرفع شعار “نتحدى وطنية الببغاوات..هنا الوحدة الحقيقية”، لافتًا إلى أن العلاج يقدم لغير القادرين من جميع طبقات المجتمع القنائى دون النظر إلى العرق أو الدين.

وأكد “وردخان” أن المستشفى يضم أطباء وتمريضًا من المسلمين قبل المسيحيين الذين يخدمون الجميع، ويوفر أساتذة من القاهرة وأسيوط في كل التخصصات، ويوجد استقبال وطوارئ على مدى الـ 24 ساعة، وبه صيدلية داخلية، بالإضافة إلى نظام الفندقة.

وتابع أن المستشفى يقع وسط كتلة سكنية معروف أنها تنتمي إلى قبيلة الحميدات، إلا أن هذا الأمر لم يؤثر نهائيًا في العلاقة بيننا، فالجميع هنا ينظر إلى المستشفى باعتباره هدية السماء لجميع أبناء الأرض، مشيرًا إلى أنه استطاع كسر "حاجز" ما كان يسمى "مستشفى النصارى" في مدة زمنية تجاوزت الـ 8 سنوات.

وعما يضمه المستشفى، قال الدكتور سمير: إنه مكون من 3 طوابق؛ الأرضي: صيدلية وغرف استقبال، والثاني: عيادات، والثالث: يضم غرف عمليات وإفاقة “10 غرف”، وتضم طاقم تمريض مكونًا من: 8 ممرضين، و5 أطباء دائمين في الاستقبال والعيادات الخارجية.

وتابع: أحرص دائمًا على المرضى والعاملين بداخل المستشفى، بالإضافة إلى الأمانة والنظافة والعلاقات الإنسانية، فالمريض هو أضعف مخلوقات الله على الأرض، لافتًا إلى أن المستشفى في المقام الأول خيري، ولا يهدف للاستثمار والتجارة في أرواح البشر.

“شيماء ذات الحجاب”
فور دخولنا إلى غرف المستشفى سمعنا صوتًا ينادي “التمريض شيماء خريشي”، وانتظرنا قليلًا حتى خرجت شيماء، وهى فتاة صغيرة السن لم تتجاوز العشرين عامًا، ترتدي البدلة الزرقاء وحجابًا على رأسها، وعلمنا أنها ضمن الفريق الذي التحق بالمستشفى في العام الماضي.

سألنا “شيماء” عن سبب قبولها العمل بهذا المستشفى، قالت: “لم أجد مكانًا يحافظ على الفتيات والعاملات به مثل هذا المستشفى؛ فالجميع هنا لا ينظر إلى ملابسك، وإلى ما هو مرسوم على يدك.. هنا يهتمون بشيء واحد فقط؛ هو الإنسان.. ما يقدمه وما يستفيد منه المريض”.

وأكدت أن الإقامة متاحة داخل المستشفى، بالإضافة إلى أننى ما زلت أدرس، وهنا توجد حراسة مشددة للحماية من أي مضايقات، وسوف أكمل عملي داخل المستشفى بعد التخرج، وأسرتي لم تعترض على عملي هنا نهائيا، بل على العكس تماما كانوا معي لحظة بلحظة، ويتابعونني في كل وقت.

احترام المواعيد
وبعد لحظات دخل أحمد سعيد، مسئول توريد الغازات على مستوى قنا، وجزء من محافظة الأقصر، ليقول لنا: منذ عملت معهم في 1998 في توريد الغازات للمستشفى، والجميع هنا يمتاز باحترام المواعيد.. مضيفًا: "يا ريت كل المستشفيات زي سان ماري".

وأشار إلى أن مسئولى المستشفى يقومون بالتوريد والتسديد أولًا بأول، دون أي تأخير، وهنا العمل ليس بمبدأ المسلم والمسيحي، ولكن العمل أخلاق الأديان السمحة، ولم يسأل منا أحدًا: “إنت دينك إيه؟”، وقد يختلف الوضع هنا عن أي مكان آخر فالجميع هنا يحترم حرية الآخر.

“الدين لله والعلاج للإنسان”
وفى أول غرفة وجدنا 3 سيدات يرتدين عباءات سمراء، ومريضة على السرير، وكان بجوارهن رجل يرتدي جلبابًا صعيديًّا، وسألناه عن سبب اختياره المستشفى بالتحديد، فرد بكلمة واحدة: “وليه لأ.. المرض لا يعرف دينًا، ولكن يعرف إنسانًا سخره الله لعلاج أخيه الإنسان، والمستشفى هنا يقدم العلاج للجميع".

وأكد عبده علي أحمد، أنه أجرى عملية جراحية، ووجد عناية فائقة، جعلته يقوم بإجراء عملية الفتاق لزوجته بنفس المستشفى، وطبيبها المعالج هو الدكتور جوزيف وليم.. وهذا الأمر لم يجعلنا نفكر إلا في شيء واحد فقط، هو “الإنسانية”، وهنا الجميع يعمل من أجل خدمتها، ولا ينتظرون أوسمة أو شهادات تقدير من أحد إلا الله.. وبالفعل نحن نحتاج إلى قلوب تحمل بداخلها الإنسانية ليعم السلام.

وطالب بضرورة أن ينسى الجميع عبارة “هو دينك إيه؟!”، فلا يسأل عن هذا إلا الشخص الذي في قلبه مرض، فالمرض لا يعرف إلا شيئًا واحدًا، هو الطبيب الإنسان.

دار المغتربات
قال القمص إبرام ألبرت، وكيل مطرانية الأقباط الأرثوذكس بقنا وقفط وتوابعها، إن هذا المكان كان مخصصًا لإنشاء دار للمغتربات، وفى عام 1998 زار الأنبا شاروبيم مستشفى قنا العام، وتألم لرؤية المرضى غير القادرين وهم يعانون، فقرر تحويل الدار إلى مستشفى خيري تخصصي لخدمة أبناء المحافظة، وبالفعل تم تغيير بعض التصميمات والديكورات وتحول الدار إلى مستشفى “سان ماري التخصصي الخيري”، وهذا الأمر لم يقابل بأى معارضة في المنطقة.

وأشار القمص إبرام إلى أن المستشفى افتتح في عهد اللواء عادل لبيب محافظ قنا الأسبق، والأنبا شاروبيم في عام 1998، موضحًا أن المستشفى يتم تدعيمه من تبرعات الكنيسة ويقدم خدماته إلى جميع طوائف المجتمع القنائي، دون تمييز.

"نقلا عن العدد الورقي.."
الجريدة الرسمية