رئيس التحرير
عصام كامل

رسالة شهيد لجنين.. قصة قصيرة

فيتو
18 حجم الخط

ضباب دخاني سيطر على المكان، طلقات نارية طائشة وأخرى مقصودة ومصوبة بإتقان نحو هدف لطالما انتظرته الأيادي لتناله بكل سوء، أصوات تعلو ويرتفع صداها، صوت في لاسلكي: الفرقة ٢! تغطي علينا من الشمال!

الفرقة اتنين!

صوت طلقات نارية يدوي صوتها في اللاسلكي، وصمت يليه تواصل إطلاق النار.

الصوت مرة أخرى: جندي على الشمال، بدل موقعك!

وهرول شاب يُدعى "على" قائد إحدى الكتائب، متجها حيث إطلاق النيران، قنابل الغاز بكل مكانن يكاد "على" لا يرى أطرافه من شدة الضباب، توقف فجأة، اتسعت حدقة عينه كأنما باغته وحش كاسر.

لم يكن وحشا كاسرا، إنما وجد صديقه "أحمد" ممددا على الأرض، ملطخ بدمائه التي تسيل كأنما بركان ثار فنفض كل ما بداخله من نيران خرجت على هيئة دماء بريئة ثائرة.

"على" صارخا في اللاسلكي: انقلوا المصابين للأمان، وغطوا على المسعفين.

"أحمد! قوم معايا يا بطل، دا جرح بسيط! قالها "على" وعيناه تدمع لإدراكه مدى خطورة جرح صديقه، فالرصاص عالق بصدره، وأماكن متفرقة في أنحاء جسده.

أبى الصديق الجريح مغادرة موقعه، وقال بصوت متقطع وحروف متلعثمة ثقيلة بطريقته المازحة المعتادة: دي أحلى موتة دي ولا إيه يا أبو على!

نهره "على" قائلا: قوم يا جدع موت إيه، يلا مفيش وقت لهزارك دا!

"أحمد" وقد ثقل لسانه أكثر وبدأت أنفاسه في التسارع: على! أم.... أمي ومراتي ياا.... على!

قاطعه "على" : قوم يا أحمد هتفرح بابنك يا جدع ربنا يخليك ليهم!

أحمد : في ر.... رسايل تحت لبسي، وص....وصلها لأصحابها يا....صاحبي.

"على" وقد علم بفراق صديقه المحتوم وبعيون غمرتها الدموع، رسايلك أمانة يا صاحبي، وبدموع تسيل قال: قول الشهادة يا أحمد، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله!

وبدأ "أحمد" في التشهد ولم يكملها حتى فاضت روحه لبارئه.

حينها أدرك "على" معنى أن دموع الرجال صعبة كثيرا، في هذه اللحظة ذاق على مرارة الفراق وكيف يكون مذاقه المرير الأبدي.

لازالت النيران مشتعلة وإطلاق النار مستمر، والشهداء يسقطون واحدا تلو الآخر، ولازالت أرواحهم الطاهرة تحلق بالمكان، تدع المتبقين للصمود للانتقام لأصدقائهم ووطنهم من الخائنين المغتصبين من تجردوا من إنسانيتهم، أخلاقهم، ومللهم.

حمل "على" صديق عمره، وخرج وإذ بطلقتين أطلقهما أحد القناصين على كتف "على" لتصيبه في غير مقتل، ليستمر في إخراج صديقه الشهيد.

انتهى اليوم، وانتهى عمر صديقن وحاضر الأمس بات ماضيا وذكرى مؤلمة، كيف سيبلغ "على" عائلة رفيقه بخبر استشهاده، لكنه آثر أن يؤدي أمانة صديقه.

يوم دفن جثمان الشهيد، كان يوما تدمي له القلوب، سيدات ارتدين الأسود، تتوسطهن سيدة كأنما تضغط على عينيها ألا تبكي، وتتظاهر بالصمود، إلا أنها لا تملك مدامعها فتفيض من مآقيها، وعند خروج جثمانه من المسجد متجها للدفن، استوقفتهم السيدة بصرخة واحدة مدوية "ابني !! في الجنة يا حبيبي".

وأخريات منهارات لا يتمالكن دموعهن ولا تصرفاتهن التي شابهت المس أو الجنون.

وعلى الطرف الثاني من الحشد، فتاة في العشرينيات، ملامحها رقيقة إلا أن حزنها قد حولها لمسنة، أثقل كاهلها المصاب، وتبدو وكأنها في أيامها القليلة لتضع مولودها.

انكبت على النعش وانهمرت دموعها وسط الحضور صارخة "سبتني لمين، إنت وعدتني هتفضل جنبي، طب ابنك لما ييجي هيقول بابا لمين؟!

وصرخات تعلو وبكاء حارق، ومشاهد الأسي خيمت على الحاضرين، فآثروا دفن الشهيد، وقام ابعض أهالي القرية بإبعاد عائلته عن نعشه ليستكملوا مراسم الدفن، لكن الأم أبت إلا أن تحمل نعش وليدها معهم، رفض الجميع لكنهم تعاطفوا معها فتركوها تفعل ما تشاء، وهي هاتفة "في الجنة يا حبيبي".

في المساء قرر "على" أن يؤدي أمانة صديقه الشهيد، وكان "أحمد" قد كتب قبل استشهاده بيومين بعض الرسائل لذويه، وكأنما شعر بنهايته القريبة، وفراقهم الأبدي.

فتح "على" الرسائل ودموعه تتساقط فخشي أن يبللها، فأزاحها قليلا بعيدا عنه، كانت رسالة لوالدة أحمد، أخته، زوجته، طفله الذي لم يأت للدنيا بعد، ورسالة "على" وبعض الكلمات الأخرى.

التقطت الأم رسالة فقيدها الشهيد، وأخذ "على" يقرأ الرسالة لوالدة "أحمد" قائلا: السلام عليكِ أمي الغالية التي لطالما اعتبرتها أركان حياتي، ملاذي وملجأي، وأنا الصغير مهما زادت أعوام سنيني ومساحة حياتي، فلكِ الركن المضيء الذي لم يصل له أحد.

أمي! أعلم أنكِ تتألمين لفراقي كثيرا الآن، فإذا وصلتكِ رسالتي فإني جوار ربي كما تمنيت دائما، لعل الفرصة لم تكن سانحة لأودعكم، لكنني تمنيت لو احتضنتك كثيرا وقبلت يداكِ قبل مغادرتي لكِ للأبد، كنت أعلم دائما أنه سيأتي يوم وأدعكِ لأفز بالشهادة، كوني باسمة الثغر فقد زفتني الملائكة للجنان، أماه، ولكم يعز على فراقك لكنه نداء الشهادة فما أنا برادّه!

دمعت أعين "على" وتماسك أمام والدة صديقه، وتنهد، ونهض للمهمة الصعبة وهي تسليم زوجة صديقه الرسالة، التي هرولت وكادت تتعثر وتؤذي جنينها، لولا أن التقطتها إحدى السيدات، تناولت رسالتها وكانت كالتالي:

صديقتي، حبيبتي، وزوجتي، لم أحبكِ يوما، فما الحب سوى ترهات وكلام لا معنى له مقابل ما أحسست به في وجودك، فأنتِ ملاذ من لا ملاذ له، أنتِ الأمان في أرق معناه، ومن يسقط وأنتِ بجانبه، بل من يموت وأنتِ أنفاسه المتصاعدة.

إذكريني بالخير دائما، وحدثيني متى أثقلتك الحياة؛ فأنا سأبقى بقلبكِ للأبد، وسأشتاق إليكِ كثيرا، بالله! لا تبكين وظلّي الجميلة المزهرة بروحك الطاهرة دائما وأبدا، وأبلغي ابني أن أباه يحبه كثيرا وما تركه سوى لأداء واجب وطنه، اجعليه مثلكِ في الأخلاق، ومثل أبيه في التضحية، اجعليه ضابطا كأبيه، وامنحيه في سبيل الله وحب الوطن.

حانت لحظة رسالة "على"، تناولها ليقرأ ما أوصاه به رفيقه الشهيد؛ كان يظنه وصيته أن يرعى أسرته وذويه، إلا أنه تفاجأ من نصها والتي كانت: إلى الصديق والرفيق والأخ الأمين، لم تكن يوما غريبا وكنت خير السند والمعين، لا أعلم من منا سيغادر دنياه قبل الآخر، فكلانا يا صديقي مغادرها عاجلا أو آجلا، بيد أنك إن قرأت رسالتي فسأكون أنا من سبقتك لجنتي.

لن أوصيك خيرا بأهلي، فهي مهمة لن تعّز عليك أبدا، لكني أوصيك بما أعلمه وأنت تخالني عنه جاهل، أعلم أنك تُحب شقيقتي الصغرى، ولربما هي تبادلك نفس الشعور، لم تشأ أن تبادرني لأنك لا تملك من النفقات ما يعينك على الأمر.

صديقي، لن أشعر بسلام في مآلي الأبدي إذا كنت قلقا على أحبتي، بادر بطلبها، وإني لمبارك لكم هذي الزيجة، سأكون لجانبكم حينها بروحي، فلست مغادركم سوى بجسدي إنما الروح خالدة.

إلى هنا يكون الشهيد قد ختم رسائله إلا أن ذكراه لازالت خالدة، لم تكن والدته ولا ذويه بحاجة إلى الشفقة ولا التعاطف، سينهارون وتظل حسرة في أفئدتهم مشتعلة، وأن اسمه سيظل فخرا لهم، يحمله أبناؤه كوسام شرف لأجيال قادمة.

لم ينتظر الشهيد هتافات تتردد ولا وسائل إعلام تعزي وتشيد بدوره، فقط تمنى لو أن دمه لم يكن هدرا، وكان الوضع اختلف، وأن ما أُزهقت روحه لأجله لا يضيع هباءً.

إلى الموتى بأجسادهم، الأحياء بأرواحهم الطاهرة، في القلوب والذاكرة لن تُمحى آثار دماءكم الطاهرة، ستظلون أحياء بابتسامتكم وأفعالكم وشجاعتكم، وأما عن ذويكم، فلله الأمر ولكم منه المغفرة ولنا الصبر والسلوان، ولكم يعز علينا فراق العشرات يوما تلو الآخر! فاللهم هون!
الجريدة الرسمية