رئيس التحرير
عصام كامل

خيري شلبي يكتب: سيد درويش.. ثورة الوجدان

خيرى شلبى
خيرى شلبى
18 حجم الخط

في سبتمبر 1923 رحل الموسيقار سيد درويش الذي وصفه العقاد بإمام الملحنين، وفى كتاب "صحبة العشاق "كتب الأديب خيري شلبي تحت عنوان (عبقرية سيد درويش.. ثورة الوجدان ووجدان الثورة) يقول:


يزداد إيماني بعبقرية فنان الشعب سيد درويش عاما بعد عام، بل يزداد يوما بعد يوم، فما ترسب في النفس منه يكفى لأن يظل في الوجدان.

إن ما حققه سيد درويش لم يكن مجرد إنتاج فنى غزير يصلح للتداول في كل عصر وأوان، بل خلَّف تراثا لهبا، يتغذى على وجدان الجماهير قدر ما يغذيها.

لقد كان سيد درويش مدركا لدوره واعيا به تمام الوعى وإن تناقض ذلك مع نشأته الفقيرة في بيئة شعبية مهمومة بلقمة العيش ليس في حياتها هامشا لممارسة الترف الفنى والثقافى.

إن من المؤكد أن نشأة سيد درويش بالمعهد الدينى وحفظه القرآن وانتمائه لعالم المشايخ بكل أنواعهم كان له أكبر الأثر في جذبه نحو الفن الغنائى.

ولعله من نافلة القول أن سيد درويش قد استفاد من التراث الدينى بالدرجة الأولى فهذه حقيقة بديهية.. لكن هل هذا وحده كاف لخلق هذه العبقرية؟ وأقول لا بكل تأكيد. 

من أكبر الهموم التي حملها سيد درويش الهموم الذاتية للحرف.. كان همٌّ الخوف من ضياع الشخصية القومية وانقراضها.. هو همٌّ وطني سياسي بالدرجة الأولى وهذا شيء طبيعي إذا ماعلمنا أن سيد درويش نشأ في مناخ وطني في حى وطني أهل بالسكان وتتجسد فيه القضية الوطنية واقعا ساخنا تعجز ألاعيب السياسة عن تبريره.

لقد رد سيد درويش للتراث الصوفى الموسيقى اعتباره فتشعر أن الموسيقى عنده تقوم أولا بنفس الدور في تصفية النفس ثم تجيء المجاهدة متحققة عن طريق الموسيقى وصولا إلى الفناء في الذات الإلهية المتجسدة هذه المرة في الوطن.
ومثل شعراء المقاومة العظماء جاء سيد درويش فارسا عظيما من فرسان المقاومة.. المقاومة بالموسيقى.

ولا ينبغى مطلقا أن نستهين بهذا الدور؛ فالسلاح الذي رفعه سيد درويش ليقاوم به أخطر من أسلحة الحرب والفتك والقتال، ذلك لأن الزاد الغنائى الذي قدمه سيد درويش هو الذي يقود المواطن إلى حمل السلاح المباشر دفاعا عن أرضه وحماية لعرضه.

وقد جاءت كل أغانى العمال والموظفين والحرفيين التي لحنها سيد درويش للمسرح الغنائى وموشحاته وطقاطيقه بمثابة حقن دم جديد من نفس الفصيلة تجدد منه الخلايا وتقوى.

وبموت سيد درويش توارت الأغنية القومية الحقيقية، أعني بها الأغنية التي تحمل في كلماتها وألحانها ملامح بارزة من شخصية المصرى وطابعه ومزاجه وحركاته كما تمثل في أغاني الحرفيين.

وكاد الغناء العربى يفقد هُويته لولا أن هيأ له الله رجالا تمشى على منهاج سيد درويش وتستلهم روحه وذوقه وبصيرته النيرة في بناء الألحان مثل عبد الوهاب والقصبجي وزكريا أحمد والسنباطي وغيرهم من الأجيال التالية.
الجريدة الرسمية