سامي داوود يكتب: معركة الشعب مع الفساد
في عام 1954 كتب سامى داوود مقالا في جريدة "التحرير" عن الفساد قال فيه:
«صدر بلاغ رسمي بالقبض والتحفظ على مجموعة من الموظفين بتهمة الفساد، وهؤلاء المتهمون هم أشخاص ممن وثق فيهم عهد الثورة الجديد.
وأتساءل هنا كيف يقع الفساد في عهد قام من أساسه على الطهارة والتطهير؟ ومن رجال وثق فيهم العهد واعتمد عليهم في تحقيق أهدافه؟ وهل وجود الفساد في عهد قوامه التطهير يمكن أن يخفف حملتنا على وجوده في عهود لم تكن من صفاتها الطهارة؟ ولا أنتظر التطهير منها أحد.. قال بعض الناس هذا.
سمعته أنا وسمعته أنت ولابد أن غيري وغيرك قد سمعوه أيضا، ولابد لنا من مناقشته لنعرف هل سرنا إلى الأمام؟ أم وقفنا حيث كنا أم لعلنا في نظر البعض تقهقرنا.
أن الذين كانوا يظنون أن الثورة في عاميها الماضيين قضت على الفساد قد صدموا بهذه الأنباء، ولهؤلاء وحدهم أكتب هذه الكلمات.. لا أكتبها لأعداء الثورة الذين يترقبون لها الوقوع ولا للذين يفهمون الأمور على حقيقتها.
هل يتصور أحد أنه يكفي أن نقوم في مصر ثورة فتضرب على أيدي الذين ثبت الفساد عليهم في العهود الماضية ليطمئن الشعب إلى أن رواسب الفساد نفسها قد زالت.
أن الأزمة الحقيقية التي نعانيها هي أزمة أخلاق مزمنة مضى على تأصيلها فينا عشرات الأعوام، فليس من اليسير استئصال الفساد في عامين، ولكن يكفي أن نستطيع الاطمئنان إلى أن القائمين بالأمر لا يغفلون الضرب على أيدي الفاسدين ايا كانوا، ويوم تثور حولهم الشبهات.
وفرق بين اليوم والأمس حيث كانت رائحة الفساد تفوح من حولنا وكنا نرفع أصواتنا مطالبين بالقضاء عليهم، وكان الحكام يخرسون أصواتنا ويحطمون أقلامنا ويضعوننا في السجون ليحموا بذلك عصاباتهم المفسدة، لكننا اليوم نعيش وجها آخر في تاريخ مصر.
نرى المسئولون أنفسهم يتعقبون الفساد ويكشفون عنه ويصدرون عنه بلاغات رسمية ينبئون الناس به، أما الفساد واقتلاعه من النفوس الضعيفة التي تأصل فيها فليس بالأمر الذي يمكن القضاء عليه في شهور أو أعوام.
أنه أمر يقضي عليه الشعب لا بالثورة ولا بالسجون، ولكن بالتربية الجديدة التي يجب أن ينشأ عليها جيل يحتقر الجريمة.
أن معركة الشعب مع الفساد والتي بدأت منذ قيام ثورة يوليو مستمرة ولا يمكن أن تكون قد انتهت».
