رئيس التحرير
عصام كامل

عيد الاستقلال والهوية الوطنية


في غالبية دول العالم التي تعرضت للاحتلال إذا سألت أي مواطن عن عيد الاستقلال فلن يخطئه، وإذا راجعت مناهج التاريخ التي تدرس للطلبة في مراحل التعليم الأساسية في تلك البلاد لوجدت هذا اليوم يحتفى به.


ربما لأن هذا التاريخ يمثل رمزًا لتحرر الأمة من السيطرة الأجنبية، وتاريخًا لبداية تحديد الهوية الوطنية الكاملة، لا أدري لماذا لا أتذكر أنني درست في تاريخ مصر في المرحلتين الابتدائية والإعدادية أي شيء عن تكوين الدولة المصرية الديمقراطية الدستورية المستقلة في العصر الحديث، لكنني كنت شغوفًا بمعرفة ذلك فراجعت بعض كتب التاريخ المحايدة، والتي أبرزت تاريخًا لم أنتبه إليه قبلها، وكأنه أحد أهم أيام التاريخ المصري الحديث ذلك اليوم هو الثامن والعشرين من فبراير عام ألف وتسعمائة واثنين وعشرين.

ونعود قليلًا قبل هذا التاريخ لنرى المقدمات التي جعلته في تلك المكانة عند المؤرخين المحايدين، الحكاية تبدأ من تحول مصر من ولاية رومانية إلى ولاية إسلامية، بدخول عمرو بن العاص إليها سنة 642 من الميلاد، وبإعلان الدولة الأموية وصارت مصر ولاية تابعة للدولة الأموية حتى سقوطها في المشرق عام 929 ميلادية، وانتقال الخليفة عبد الرحمن الناصر إلى قرطبة ببلاد الأندلس صارت مصر منذ ذلك التاريخ ولاية عباسية، وظلت تحت لواء الخليفة العباسي حتى انفصل بها أحمد بن طولون (873 م) كإمارة مستقلة، أو على الأقل ذات حكم ذاتي كامل مؤسسًا الدولة الطولونية.

وفي أوائل القرن العاشر الميلادي انهارت الدولة الطولونية، وعادت مصر ولايةً عباسيةً ثم عادت كإمارة مستقلة على يد الإخشيديين حتى دخول الفاطميين إليها (969م) قادمين من تونس، حيث قاموا بتأسيس مدينة القاهرة لتكون عاصمة لدولتهم الشيعية، حيث ظلت مصر جزءًا وحاضرة للدولة الفاطمية حتى سقوطها على يد صلاح الدين الأيوبي (1171م)، الذي أعادها نظريًا للخلافة العباسية قبل أن يؤسس في مصر والشام دولة مستقلة هى الدولة الأيوبية، التي استمرت حتى استيلاء المماليك على الحكم بوفاة السلطان نجم الدين أيوب أثناء معركة المنصورة ضد الحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسع، بعدها تولى ابنه توران شاه الذي ما لبث أن قتل لتتولى شجر الدر الحكم كأول سلطانة مملوكية (1250 م).

ظلت مصر حاضرة دولة المماليك حتى سقوطها عام 1517م، بعد هزيمة آخر سلاطينها طومان باي على يد السلطان العثماني سليم الأول لتصبح مصر منذ ذلك الحين ولاية عثمانية.

استمر ذلك حتى بِدء الدولة العلوية في مصر بتولي محمد علي باشا الكبير الحكم 1805م في عهد السلطان سليم الثالث، حيث بدأ محمد علي في بناء دولة مصرية مستقلة، حتى إنه دخل في حرب مع الدولة العثمانية انتهت باتفاقية لندن 1840 بعد هزيمة الأسطول المصري في معركة نوارين البحرية ضد الأساطيل الأوروبية، حيث احتفظ محمد علي بحكم ذاتي على مصر، استمر في أسرته حتى بعد دخول الإنجليز إلى مصر للقضاء على حركة الجيش بقيادة أحمد عرابي، وهزيمته في موقعة التل الكبير 1882 م، بحجة حماية الأقليات، وحق الدين، وبطلب من الخديو توفيق، حتى دخلت بريطانيا الحرب العالمية الأولى ضد الدولة العثمانية فأعلنت الحماية البريطانية على مصر وإنهاء الولاية العثمانية عليها عام 1914م.

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى تشكل الوفد المصري برئاسة سعد زغلول للمطالبة بالاستقلال، وكان قرار القبض على سعد زغلول ونفيه إلى جزيرة مالطا سببًا في اندلاع ثورة 1919 بدءًا من صباح التاسع من مارس بخروج مظاهرات الطلبة والعمال ورد قوات الاحتلال عليها بقتل المتظاهرين، واستمرت أحداث الثورة إلى شهر أغسطس ثم تجددت في أكتوبر ونوفمبر، وتم نفى سعد مرة أخرى لكن إلى جزيرة سيشيل بالمحيط الهندي في ديسمبر من ذلك العام.

في عام 1922 بدأت حملة العصيان المدني بالمقاطعة الكاملة لكل ما هو بريطاني، ورفض السياسيون تولي الوزارة، وظلت مصر بدون وزارة لنحو شهرين وفاوض اللورد اللنبي كافة السياسيين الذين رفضوا، واشترط عبد الخالق باشا ثروت لتولي الوزارة إنهاء الحماية البريطانية على مصر، وخروج القوات البريطانية من البلد، وانتهت المفاوضات بموافقة رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج على تلك الشروط، وعاد اللنبي إلى القاهرة وصدر تصريح 28 فبراير 1922 في لندن والقاهرة في وقت واحد بإنهاء الحماية البريطانية على مصر، وأن مصر أصبحت دولة مستقلة ذات سيادة مع احتفاظ بريطانيا بقاعدة قناة السويس، ووضعها في السودان وحقها في تأمين مواصلات الإمبراطورية البريطانية وحماية مصر والأقليات فيها.

وعلى إثر هذا الإعلان تم تشكيل لجنة لكتابة الدستور وضعت واحدًا من أهم دساتير مصر في تاريخها، وهو دستور 1923 وأجريت الانتخابات، وفاز حزب الوفد بالأغلبية، وقام بتشكيل أول حكومة بعد الاستقلال برئاسة سعد زغلول.

يوم 28 فبراير 1922 هو يوم من أهم الأيام في تاريخ مصر جاء نتيجة ثورة شعبية دفع فيها الشعب المصري من دماء أبنائه ثمنًا غاليًا ليخطو أول خطوة في سبيل الاستقلال التام، ويحاول أول محاولة لتأسيس دولة ديمقراطية دستورية، هذا اليوم يستحق أن نتذكره، ونعلمه لأبنائنا ليعرفوا ماذا فعل أجدادهم حتى لو حاول البعض لمصالح ضيقة أن يمحو هذا التاريخ المشرف.

الجريدة الرسمية